القرطبي

385

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

أيام خرج عنهم فأصبحوا فلم يجدوه فتابوا وفرقوا بين الأمهات والأولاد ، وهذا يدل على أن توبتهم قبل رؤية علامة العذاب . وسيأتي مسندا مبينا في سورة " والصافات " ( 1 ) إن شاء الله تعالى . ويكون معنى ( كشفنا عنهم عذاب الخزي ) أي العذاب الذي وعدهم به يونس أنه ينزل بهم ، لا أنهم رأوه عيانا ولا مخايلة ، وعلى هذا لا إشكال ولا تعارض ولا خصوص ، والله أعلم . وبالجملة فكان أهل نينوى في سابق العلم من السعداء . وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : إن الحذر لا يرد القدر ، وإن الدعاء ليرد القدر . وذلك أن الله تعالى يقول : " إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا " . قال رضي الله عنه : وذلك يوم عاشوراء . قوله تعالى : ( ومتعناهم إلى حين ) قيل : إلى أجلهم ، قاله السدي . وقيل : إلى أن يصيروا إلى الجنة أو إلى النار ، قاله ابن عباس . قوله تعالى : ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ( 99 ) قوله تعالى : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا ) أي لاضطرهم إليه . " كلهم " تأكيد ل‍ " - من " . " جميعا " عند سيبويه نصب على الحال . وقال الأخفش : جاء بقوله جميعا بعد كل تأكيدا ، كقوله : " لا تتخذوا إلهين اثنين " ( 2 ) [ النحل : 51 ] قوله تعالى : ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) قال ابن عباس : كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمان جميع الناس ، فأخبره الله تعالى أنه لا يؤمن إلا من سبقت له السعادة في الذكر الأول ، ولا يضل إلا من سبقت له الشقاوة في الذكر الأول . وقيل : المراد بالناس هنا أبو طالب ، وهو عن ابن عباس أيضا . قوله تعالى : وما كان لنفس أن يؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ( 100 )

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 121 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 113 .