القرطبي
374
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( ربنا ليضلوا عن سبيلك ) اختلف في هذه اللام ، وأصح ما قيل فيها - وهو قول الخليل وسيبويه - أنها لام العاقبة والصيرورة ، وفي الخبر ( إن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم لدوا للموت وابنوا للخراب ) . أي لما كان عاقبة أمرهم إلى الضلال صار كأنه أعطاهم ليضلوا . وقيل : هي لام كي أي أعطيتهم لكي يضلوا ويبطروا ويتكبروا . وقيل : هي لام أجل ، أي أعطيتهم لأجل إعراضهم عنك فلم يخافوا أن تعرض عنهم . وزعم قوم أن المعنى : أعطيتهم ذلك لئلا يضلوا ، فحذفت لا كما قال عز وجل : ( يبين الله لكم أن تضلوا ) ( 1 ) . والمعنى : لان لا تضلوا . قال النحاس : ظاهر هذا الجواب حسن ، إلا أن العرب لا تحذف " لا " إلا مع أن ، فموه صاحب هذا الجواب بقوله عز وجل : " أن تضلوا " . وقيل : اللام للدعاء ، أي ابتلاهم بالضلال عن سبيلك ، لان بعده : " اطمس على أموالهم واشدد " . وقيل : الفعل معنى المصدر أي إضلالهم كقوله عز وجل : " لتعرضوا عنهم " . قرأ الكوفيون : " ليضلوا " بضم الياء من الاضلال ، وفتحها الباقون . قوله تعالى : ( ربنا اطمس على أموالهم ) أي عاقبهم عل كفرهم بإهلاك أموالهم . قال الزجاج : طمس الشئ إذهابه عن صورته . قال ابن عباس ومحمد بن كعب : صارت أموالهم ودراهمهم حجارة منقوشة كهيئتها صحاحا وأثلاثا وأنصافا ، ولم يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه فلم ينتفع به أحد بعد . وقال قتادة : بلغنا أن أموالهم وزروعهم صارت حجارة . وقال مجاهد وعطية : أهلكها حتى لا ترى ، يقال : عين مطموسة ، وطمس الموضع إذا عفا ودرس . وقال ابن زيد : صارت دنانيرهم ودراهمهم وفرشهم وكل شئ لهم حجارة . محمد ابن كعب : وكان الرجل منهم يكون مع أهله في فراشه وقد صارا حجرين ، قال : وسألني عمر بن عبد العزيز فذكرت ذلك له فدعا بخريطة ( 2 ) أصيبت بمصر فأخرج منها الفواكه والدراهم والدنانير وإنها لحجارة . وقال السدي : وكانت إحدى الآيات التسع . ( واشدد على قلوبهم ) قال ابن عباس : أي أمنعهم الايمان . وقيل : قسها واطبع عليها حتى لا تنشرح للايمان ، والمعنى
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 28 فما بعد . ( 2 ) الخريطة : هنة مثل الكيس تكون من الخرق والأدم تشرج على ما فيها . اللسان .