القرطبي
368
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( فلما ألقوا قال موسى ما جئتم به السحر ) تكون " ما " في موضع رفع بالابتداء ، والخبر " جئتم به " والتقدير : أي شئ جئتم به ، على التوبيخ والتصغير لما جاءوا به من السحر . وقراءة أبي عمرو " السحر " على الاستفهام على إضمار مبتدأ والتقدير أهو السحر . ويجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف ، التقدير : السحر جئتم به . ولا تكون " ما " على قراءة من استفهم بمعنى الذي ، إذ لا خبر لها . وقرأ الباقون " السحر " على الخبر ، ودليل هذه القراءة قراءة ابن مسعود : " ما جئتم به سحر " . وقراءة أبي : " ما أتيتم به سحر " ، ف " - ما " بمعنى الذي ، و " جئتم به " الصلة ، وموضع " ما " رفع بالابتداء ، والسحر خبر الابتداء . ولا تكون " ما " إذا جعلتها بمعنى الذي نصبا لان الصلة لا تعمل في الموصول . وأجاز الفراء نصب السحر بجئتم ، وتكون ما للشرط ، وجئتم في موضع جزم بما والفاء محذوفة ، التقدير : فإن الله سيبطله . ويجوز أن ينصب السحر على المصدر ، أي ما جئتم به سحرا ، ثم دخلت الألف واللام زائدتين ، فلا يحتاج على هذا التقدير إلى حذف الفاء . واختار هذا القول النحاس ، وقال : حذف الفاء في المجازاة لا يجيزه كثير من النحويين إلا في ضرورة الشعر ، كما قال : * من يفعل الحسنات الله يشكرها * بل ( 1 ) ربما قال بعضهم : إنه لا يجوز البتة . وسمعت علي بن سليمان يقول : حدثني محمد ابن يزيد قال حدثني المازني قال سمعت الأصمعي يقول : غير النحويون هذا البيت ، وإنما الرواية : * من يفعل الخير فالرحمن يشكره * وسمعت علي بن سليمان يقول : حذف الفاء في المجازاة جائز . قال : والدليل على ذلك " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم " ( 2 ) . " وما أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم " قراءتان مشهورتان معروفتان . ( إن الله لا يصلح عمل المفسدين ) يعني السحر . قال ابن عباس : من أخذ مضجعه من الليل ثم تلا هذه الآية . ( ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين ) لم يضره كيد ساحر . ولا تكتب على مسحور إلا دفع الله عنه السحر .
--> ( 1 ) في ع : وربما . ( 2 ) راجع ج 16 ص 30 .