القرطبي
346
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( وإن كذبوك فقل لي عملي ) رفع بالابتداء ، والمعنى : لي ثواب عملي في التبليغ والانذار والطاعة لله تعالى . ( ولكم عملكم ) أي جزاؤه من الشرك . ( أنتم بريئون مما أعمل وأنا برئ مما تعملون ) مثله ، أي لا يؤاخذ أحد بذنب الآخر . وهذه الآية منسوخة بآية السيف ، في قول مجاهد والكلبي ومقاتل وابن زيد . قوله تعالى : ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ( 42 ) ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدى العمى ولو كانوا لا يبصرون ( 43 ) قوله تعالى : ( ومنهم من يستمعون إليك ) يريد بظواهرهم ، وقلوبهم لا تعي شيئا مما يقوله من الحق ويتلوه من القرآن ، ولهذا قال : ( أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ) أي لا تسمع ، فظاهره الاستفهام ومعناه النفي ، وجعلهم كالصم للختم على قلوبهم والطبع عليها ، أي لا تقدر على هداية من أصمه الله عن سماع الهدى . وكذا المعنى في : " ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمى ولو كانوا لا يبصرون " أخبر تعالى أن أحدا لا يؤمن إلا بتوفيقه وهدايته . وهذا وما كان مثله يرد على القدرية قولهم ، كما تقدم في غير موضع . وقال : " يستمعون " على معنى " من " و " ينظر " على اللفظ ، والمراد تسلية النبي صلى الله عليه وسلم ، أي كما لا تقدر أن تسمع من سلب السمع ولا تقدر أن تخلق للأعمى بصرا يهتدي به ، فكذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء للايمان وقد حكم الله عليهم ألا يؤمنوا . ومعنى : " ينظر إليك " أي يديم النظر إليك ، كما قال : " ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت " ( 1 ) [ الأحزاب : 19 ] . قيل : إنها نزلت في المستهزئين ، والله أعلم . قوله تعالى : إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ( 44 )
--> ( 1 ) راجع ج 14 ص .