القرطبي
325
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قال ابن الأنباري : وجائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب ، قال الله تعالى : " وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا " ( 1 ) [ الانسان : 21 - 22 ] فأبدل الكاف من الهاء . قوله تعالى " بريح طيبة وفرحوا بها " تقدم الكلام ( 2 ) فيها في البقرة ( جاءتها ريح عاصف ) الضمير في " جاءتها " للسفينة . وقيل للريح الطيبة . والعاصف الشديدة ، يقال : عصفت الريح وأعصفت ، فهي عاصف ومعصف ومعصفة أي شديدة ، قال الشاعر : حتى إذا أعصفت ريح مزعزعة * فيها قطار ورعد صوته زجل وقال " عاصف " بالتذكير لان لفظ الريح مذكر ، وهي القاصف أيضا . والطيبة غير عاصف ولا بطيئة . ( وجاءهم الموج من كل مكان ) والموج ما ارتفع من الماء ( وظنوا ) أي أيقنوا ( أنهم أحيط بهم ) أي أحاط بهم البلاء ، يقال لمن وقع في بلية : قد أحيط به ، كأن البلاء قد أحاط به ، وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بموضع فقد هلك أهله . ( دعوا الله مخلصين له الدين ) أي دعوه وحده وتركوا ما كانوا يعبدون . وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد ، وأن المضطر يجاب دعاؤه ، وإن كان كافرا ، لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب ، على ما يأتي بيانه في " النمل " إن شاء الله تعالى ( 3 ) . وقال بعض المفسرين : إنهم قالوا في دعائهم أهيا شراهيا ، أي يا حي يا قيوم . وهي لغة العجم . مسألة - هذه الآية تدل على ركوب البحر مطلقا ، ومن السنة حديث أبي هريرة وفيه : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء . . . الحديث . وحديث أنس في قصة أم حرام يدل على جواز ركوبه في الغزو ، وقد مضى هذا المعنى في " البقرة " مستوفى ( 2 ) والحمد لله . وقد تقدم في آخر " الأعراف " حكم راكب البحر في حال ارتجاجه وغليانه ، هل حكمه حكم الصحيح أو المريض المحجور عليه ، فتأمله هناك ( 4 ) .
--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 141 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 2 ص 297 وص 195 . ( 3 ) راجع ج 13 ص 223 . ( 4 ) راجع ج 7 ص 341 .