القرطبي
322
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ) يريد الأصنام . ( ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ) وهذه غاية الجهالة منهم ، حيث ينتظرون الشفاعة في المآل ممن لا يوجد منه نفع ولا ضر في الحال . وقيل : " شفعاؤنا " أي تشفع لنا عند الله في إصلاح معائشنا في الدنيا . ( قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض ) قراءة العامة " تنبئون " بالتشديد . وقرأ أبو السمال العدوي " أتنبئون الله " مخففا ، من أنبأ ينبئ . وقراءة العامة من نبأ ينبئ تنبئة ، وهما بمعنى واحد ، جمعهما قوله تعالى : " من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير " ( 1 ) [ التحريم : 3 ] أي أتخبرون الله أن له شريكا في ملكه أو شفيعا بغير إذنه ، والله لا يعلم لنفسه شريكا في السماوات ولا في الأرض ، لأنه لا شريك له فلذلك لا يعلمه . نظيره قوله : " أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض " ( 2 ) [ الرعد : 33 ] ثم نزه نفسه وقدسها عن الشرك فقال : " سبحانه وتعالى عما يشركون " أي هو أعظم من أن يكون له شريك وقيل : المعنى أي يعبدون ما لا يسمع ولا يبصر ( 3 ) ولا يميز " ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله " فيكذبون ، وهل يتهيأ لكم أن تنبئوه بما لا يعلم ، سبحانه وتعالى عما يشر كون ! . وقرأ حمزة والكسائي " تشر كون " بالتاء ، وهو اختيار أبي عبيد . الباقون بالياء . قوله تعالى : وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم فيما فيه يختلفون ( 19 ) تقدم في " البقرة " ( 4 ) معناه فلا معنى للإعادة . وقال الزجاج : هم العرب كانوا على الشرك . وقيل : كل مولود يولد على الفطرة ، فاختلفوا عند البلوغ . " ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون " إشارة إلى القضاء والقدر ، أي لولا ما سبق في حكمه أنه لا يقضى بينهم فيما اختلفوا فيه بالثواب والعقاب دون القيامة لقضي بينهم في الدنيا ، فأدخل المؤمنين الجنة بأعمالهم والكافرين النار بكفرهم ، ولكنه سبق من الله الاجل مع علمه بصنيعهم فجعل
--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 186 فما بعد . ( 2 ) راجع ج 9 ص 322 فما بعد . ( 3 ) في ب وع وه : ما لا يشفع ولا ينصر . ( 4 ) راجع ج 3 ص 30 .