القرطبي
302
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( عزيز عليه ما عنتم ) أي يعز عليه مشقتكم . والعنت : المشقة ، من قولهم : أكمة عنوت إذا كانت شاقة مهلكة . وقال ابن الأنباري : أصل التعنت التشديد ، فإذا قالت العرب : فلان يتعنت فلانا ويعنته فمرادهم يشدد عليه ويلزمه بما يصعب عليه أداؤه . وقد تقدم في [ البقرة ] ( 1 ) . " وما " في " ما عنتم " مصدرية ، وهي ابتداء و " عزيز " خبر مقدم . ويجوز أن يكون " ما عنتم " فاعلا بعزيز ، و " عزيز " صفة للرسول ، وهو أصوب . وكذا " حريص عليكم " وكذا " رؤوف رحيم " رفع على الصفة . قال الفراء : ولو قرئ عزيزا عليه ما عنتم حريصا رؤوفا رحيما ، نصبا على الحال جاز . قال أبو جعفر النحاس : وأحسن ما قيل في معناه مما يوافق كلام العرب ما حدثنا أحمد بن محمد الأزدي قال حدثنا عبد الله بن محمد الخزاعي قال سمعت عمرو بن علي يقول : سمعت عبد الله بن داود الخريبي يقول في قوله عز وجل : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم " قال : أن تدخلوا النار ، ( حريص عليكم ) قال : أن تدخلوا الجنة . وقيل : حريص عليكم أن تؤمنوا . وقال الفراء : شحيح بأن تدخلوا النار . والحرص على الشئ : الشح عليه أن يضيع ويتلف . ( بالمؤمنين رؤوف رحيم ) الرؤوف : المبالغ في الرأفة والشفقة . وقد تقدم في [ البقرة ] معنى " رؤوف رحيم " مستوفى ( 2 ) . وقال الحسين بن الفضل : لم يجمع الله لاحد من الأنبياء اسمين من أسمائه إلا للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فإنه قال : " بالمؤمنين رؤوف رحيم " وقال : " إن الله بالناس لرءوف رحيم " [ الحج : 65 ] . وقال عبد العزيز بن يحيى : نظم الآية لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز حريص بالمؤمنين رؤوف رحيم ، عزيز عليه ما عنتم لا يهمه إلا شأنكم ، وهو القائم بالشفاعة لكم فلا تهتموا بما عنتم ما أقمتم على سنته ، فإنه لا يرضيه إلا دخولكم الجنة . قوله تعالى : ( فإن تولوا فقل حسبي الله ) أي إن أعرض الكفار يا محمد بعد هذه النعم التي من الله عليهم بها فقل حسبي الله أي كافي الله تعالى . ( لا إله إلا هو عليه توكلت ) أي اعتمدت وإليه فوضت جميع أموري . ( وهو رب العرش العظيم ) خص العرش
--> ( 1 ) راجع ج 3 ص 66 . ( 2 ) راجع ج 1 ص 103 . وج 2 ص 153 ، 158