القرطبي
2
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
المعنى حتى صار عرفا . والفئ مأخوذ من فاء يفئ إذا رجع ، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف . كخراج الأرضين وجزية الجماجم وخمس الغنائم . ونحو هذا قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب . وقيل : إنهما واحد ، وفيهما الخمس ، قاله قتادة . وقيل : الفئ عبارة عن كل ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر . والمعنى متقارب . الثانية - هذه الآية ناسخة لأول السورة ، عند الجمهور . وقد ادعى ابن عبد البر الاجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله : " يسألونك عن الأنفال " [ الأنفال : 1 ] وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين ، على ما يأتي بيانه . وأن قوله : " يسألونك عن الأنفال " نزلت في حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر ، على ما تقدم أول السورة . قلت : ومما يدل على صحة هذا ما ذكره إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان قال حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس قال : ( لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا ) وكانوا قتلوا سبعين ، وأسروا سبعين ، فجاء أبو اليسر بن عمرو بأسيرين ، فقال : يا رسول الله إنك وعدتنا من قتل قتيلا فله كذا ، وقد جئت بأسيرين . فقام سعد فقال : يا رسول الله ، إنا لم يمنعنا زيادة في الاجر ولا جبن عن العدو ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يعطف المشركون ، فإنك إن تعطي هؤلاء لا يبقى لأصحابك شئ . قال : وجعل هؤلاء يقولون وهؤلاء يقولون فنزلت " يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم " [ الأنفال : 1 ] فسلموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم نزلت " وأعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه " الآية . وقد قيل : إنها محكمة غير منسوخة ، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليست مقسومة بين الغانمين ، وكذلك لمن بعده من الأئمة . كذا حكاه المازري عن كثير من أصحابنا ، رضي الله عنهم ، وأن للامام أن يخرجها عنهم . واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين . وكان أبو عبيد يقول : افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة ومن على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها عليهم فيئا . ورأى بعض الناس أن هذا جائز للأئمة بعده .