القرطبي
288
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم ) فبدأ بالتوبة منه . قال أبو زيد : غلطت في أربعة أشياء : في الابتداء مع الله تعالى ، ظننت أني أحبه فإذا هو أحبني ، قال الله تعالى : " يحبهم ويحبونه " [ المائدة : 54 ] . وظننت أني أرضى عنه فإذا هو قد رضي عني ، قال الله تعالى : " رضي الله عنهم ورضوا عنه " [ المائدة : 119 ] . وظننت أني أذكره فإذا هو يذكرني ، قال الله تعالى : " ولذكر الله أكبر " . وظننت أني أتوب فإذا هو قد تاب على ، قال الله تعالى : " ثم تاب عليهم ليتوبوا " . وقيل : المعنى ثم تاب عليهم ليثبتوا على التوبة ، كما قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا آمنوا " ( 1 ) [ النساء : 136 ] وقيل : أي فسح لهم ولم يعجل عقابهم كما فعل بغيرهم ، قال عز وجل : " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم " ( 2 ) [ النساء : 160 ] . قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين ( 119 ) فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : " وكونوا مع الصادقين " هذا الامر بالكون مع أهل الصدق حسن بعد قصة الثلاثة حين نفعهم الصدق وذهب بهم عن منازل المنافقين . قال مطرف : سمعت مالك بن أنس يقول : قلما كان رجل صادقا لا يكذب إلا متع بعقله ولم يصبه ما يصيب غيره من الهرم والخرف . واختلف في المراد هنا بالمؤمنين والصادقين على أقوال ، فقيل : هو خطاب لمن آمن من أهل الكتاب . وقيل : هو خطاب لجميع المؤمنين ، أي اتقوا مخالفة أمر الله . " وكونوا مع الصادقين " أي مع الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا مع المنافقين . أي كونوا على مذهب الصادقين وسبيلهم . وقيل : هم الأنبياء ، أي كونوا معهم بالأعمال الصالحة في الجنة . وقيل : هم المراد بقوله : " ليس البر أن تولوا وجوهكم ( 3 ) - الآية إلى قوله - أولئك الذين صدقوا " [ البقرة : 177 ] . وقيل : هم الموفون بما عاهدوا ، وذلك لقوله تعالى : " رجال صدقوا ما عاهدوا الله ( 4 ) عليه " وقيل : هم المهاجرون ، لقول أبي بكر يوم السقيفة إن الله سمانا الصادقين
--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 405 . ( 2 ) راجع ج 6 ص 12 . ( 3 ) راجع ج 2 ص 237 . ( 4 ) راجع ج 14 ص .