القرطبي
274
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
تألفهم بالقول الجميل وترغيبهم في الدين . وقد قال كثير من العلماء : لا بأس أن يدعو الرجل لأبويه الكافرين ويستغفر لهما ما داما حيين . فأما من مات فقد انقطع عنه الرجاء فلا يدعي له . قال ابن عباس : كانوا يستغفرون لموتاهم فنزلت فأمسكوا عن الاستغفار ولم ينههم أن يستغفروا للاحياء حتى يموتوا . الثالثة - قال أهل المعاني : " ما كان " في القرآن يأتي على وجهين : على النفي نحو قوله : " ما كان لكم أن تنبتوا شجرها " ( 1 ) [ النمل : 60 ] ، " وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله " ( 2 ) [ آل عمران : 145 ] . والآخر بمعنى النهي كقوله : " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله " ( 3 ) [ الأحزاب : 53 ] ، و " ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين " . قوله تعالى : وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعد ها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم ( 114 ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - روى النسائي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان فقلت : أتستغفر لهما وهما مشركان ؟ فقال : أو لم يستغفر إبراهيم عليه السلام لأبيه . فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك [ له ] ( 4 ) فنزلت : " وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه " . والمعنى : لا حجة لكم أيها المؤمنون في استغفار إبراهيم الخليل عليه السلام لأبيه فإن ذلك لم يكن إلا عن عدة . وقال ابن عباس : كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم الخليل أن يؤمن بالله ويخلع الأنداد فلما مات على الكفر علم أنه عدو الله فترك الدعاء له فالكناية في قوله : " إياه " ترجع إلى إبراهيم والواعد أبوه . وقيل : الواعد إبراهيم أي وعد إبراهيم أباه أن يستغفر له فلما مات مشركا تبرأ منه . ودل على هذا الوعد قوله : " سأستغفر لك ربي " ( 5 ) [ مريم : 47 ] . قال القاضي أبو بكر بن العربي : تعلق النبي صلى الله عليه
--> ( 1 ) راجع ج 13 ص ( 2 ) راجع ج 4 ص 226 . ( 3 ) راجع ج 14 ص ( 4 ) من ع . ( 5 ) راجع ج 11 ص 110 فما بعد .