القرطبي

259

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثالثة - قوله تعالى : ( لمسجد أسس على التقوى ) أي بنيت جدره ورفعت قواعده . والاس أصل البناء ، وكذلك الأساس . والأسس مقصور منه . وجمع الاس إساس ، مثل عس وعساس . وجمع الأساس أسس ، مثل قذال وقذل . وجمع الأسس أساس ، مثل سبب وأسباب . وقد أسست البناء تأسيسا . وقولهم : كان ذلك على أس الدهر ، وأس الدهر ، وإس الدهر ، ثلاث لغات ، أي على قدم الدهر ووجه الدهر . واللام في قوله " لمسجد " لام قسم . وقيل لام الابتداء ، كما تقول : لزيد أحسن الناس فعلا ، وهي مقتضية تأكيدا . " أسس على التقوى " نعت لمسجد . " أحق " خبر الابتداء الذي هو " لمسجد " ومعنى التقوى هنا الخصال التي تتقى بها العقوبة ، وهي فعلى من وقيت ، وقد تقدم ( 1 ) . الرابعة - واختلف العلماء في المسجد الذي أسس على التقوى ، فقالت طائفة : هو مسجد قباء ، يروى عن ابن عباس والضحاك والحسن . وتعلقوا بقوله : " من أول يوم " ، ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أول يوم ، فإنه بني قبل مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن عمر وابن المسيب ، ومالك فيما رواه عنه ابن وهب وأشهب وابن القاسم . وروى الترمذي عن أبي سعيد الخدري : قال تماري ( 2 ) رجلان في المسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم ، فقال رجل هو مسجد قباء ، وقال آخر هو مسجد النبي صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( هو مسجدي هذا ) . [ قال ] ( 3 ) حديث صحيح . والقول الأول أليق بالقصة ، لقوله : " فيه " وضمير الظرف يقتضي الرجال المتطهرين ، فهو مسجد قباء . والدليل على ذلك حديث أبي هريرة قال : نزلت هذه الآية في أهل قباء " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " قال : كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية . قال الشعبي : هم أهل مسجد قباء ، أنزل الله فيهم هذا . وقال قتادة : لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل قباء : ( إن الله سبحانه قد أحسن عليكم الثناء

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 161 . ( 2 ) الممارة : المجادلة . ( 3 ) من ج وه‍ . وفي ع : قال هو .