القرطبي
241
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
والمعنى متقارب . وأصل الكلمة من اللين والملامسة والتجرد . فكأنهم تجردوا للنفاق . ومنه ( 1 ) رملة مرداء لا نبت فيها . وغصن أمرد لا ورق عليه . وفرس أمرد لا شعر على ثنته ( 2 ) . وغلام أمرد بين المرد ، ولا يقال : جارية مرداء . وتمريد البناء تمليسه ، ومنه قوله : " صرح ممرد " ( 3 ) [ النمل : 44 ] . وتمريد الغصن تجريده من الورق ، يقال : مرد ( 4 ) يمرد مرودا ومرادة . قوله تعالى : ( لا تعلمهم نحن نعلمهم ) هو مثل قوله : " لا تعلمونهم الله يعلمهم " ( 5 ) [ الأنفال : 60 ] على ما تقدم . وقيل : المعنى لا تعلم يا محمد عاقبة أمورهم وإنما نختص نحن بعلمها ، وهذا يمنع أن يحكم على أحد بجنة أو نار . قوله تعالى : ( سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ) قال ابن عباس : بالأمراض في الدنيا وعذاب الآخرة . فمرض المؤمن كفارة ، ومرض الكافر عقوبة . وقيل : العذاب الأول الفضيحة باطلاع النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ، على ما يأتي بيانه في المنافقين . والعذاب الثاني عذاب القبر . الحسن وقتادة : عذاب الدنيا وعذاب القبر . ابن زيد : الأول بالمصائب في أموالهم وأولادهم ، والثاني عذاب القبر . مجاهد : الجوع والقتل . الفراء : القتل وعذاب القبر . وقيل : السباء والقتل . وقيل : الأول أخذ الزكاة من أموالهم وإجراء الحدود عليهم ، والثاني عذاب القبر . وقيل : أحد العذابين ما قال تعالى : " فلا تعجبك أموالهم - إلى قوله - إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا " ( 5 ) [ التوبة : 55 ] . والغرض من الآية اتباع العذاب ، أو تضعيف العذاب عليهم . قوله تعالى : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ( 102 ) أي ومن أهل المدينة وممن حولكم قوم أقروا بذنوبهم ، وآخرون مرجون لأمر الله يحكم فيهم بما يريد . فالصنف الأول يحتمل أنهم كانوا منافقين وما مردوا على النفاق ، ويحتمل
--> ( 1 ) في ج : ومثله . ( 2 ) الثنة : مؤخر الرسغ وهي شعرات مدلاة مشرفات من خلف . ( 3 ) راجع ج 13 ص ( 4 ) من باب نصر وكرم . ( 5 ) راجع ص 35 وص 164 من هذا الجزء .