القرطبي

205

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

عليها وليس العاصي بمنافق إنما المنافق بما يكون في قلبه من النفاق كامنا لا بما تتلبس به الجوارح ظاهرا وأخبار المحدودين يشهد سياقها أنهم لم يكونوا منافقين الثانية - قوله تعالى : ( واغلظ عليهم ) الغلظ : نقيض الرأفة ، وهي شدة القلب على إحلال الامر بصاحبه . وليس ذلك في اللسان ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها الحد ولا يثرب ( 1 ) عليها ) . ومنه قوله تعالى : " ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " ( 2 ) [ آل عمران : 159 ] . ومنه قول النسوة لعمر : أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم ( 3 ) ومعنى الغلظ خشونة الجانب . فهي ضد قوله تعالى : " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " ( 4 ) [ الشعراء : 215 ] . " واخفض لهما جناح الذل من الرحمة " ( 5 ) [ الاسراء : 24 ] . وهذه الآية نسخت كل شئ من العفو والصلح والصفح . قوله تعالى : يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله فإن يتوبوا يك خيرا لهم وإن يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا والآخرة وما لهم في الأرض من ولى ولا نصير ( 74 )

--> ( 1 ) أي لا يوبخها ولا يقرعها بالزنى بعد الضرب . وقيل : أراد لا يقنع في عقوبتها بالتثريب بل يضربها الحد فإن زنى الإماء لم يكن عند العرب مكروها ولا منكرا فأمرهم بحد الإماء كما أمرهم بحد الحرائر . ( نهاية ابن الأثير ) . ( 2 ) راجع ج 4 ص 248 . ( 3 ) روى البخاري ومسلم هذا الحديث في " باب مناقب عمر رضي الله عنه " قالا : استأذن عمر بن الخطاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة من قريش بكلمته يستكثرنه عالية أصواتهم على صوته فلما استأذن عمر قمن فبادرن الحجاب فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عمر ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك فقال عمر : أضحك الله سنك يا رسول الله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب " فقال عمر : أنت أحق أن يهبن يا رسول الله . ثم قال عمر : يا عدوات أنفسهم أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم ! فقلن : نعم ! أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إيها يا بن الخطاب والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك " . ( 4 ) راجع ج 13 ص 134 . ( 5 ) راجع ج 10 ص 236 .