القرطبي

187

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

عن ابن القاسم أنه قال : يعطى من الزكاة الغازي وإن كان معه في غزاته ما يكفيه من ماله وهو غني في بلده . وهذا هو الصحيح ، لظاهر الحديث : ( لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة ) . وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطى منها الغزاة ومواضع الرباط فقراء كانوا أو أغنياء . الثالثة والعشرون - قوله تعالى : ( وابن السبيل ) السبيل الطريق ، ونسب المسافر إليها لملازمته إياها ومروره عليها ، كما قال الشاعر : إن تسألوني عن الهوى فأنا الهوى * وابن الهوى وأخو الهوى وأبوه والمراد الذي انقطعت به الأسباب في سفره عن بلده ومستقره وماله ، فإنه يعطى منها وإن كان غنيا في بلده ، ولا يلزمه أن يشغل ذمته بالسلف . وقال مالك في كتاب ابن سحنون : إذا وجد من يسلفه فلا يعطى . والأول أصح ، فإنه لا يلزمه أن يدخل تحت منة أحد وقد وجد منة الله تعالى . فإن كان له ما يغنيه ففي جواز الاخذ له لكونه ابن السبيل روايتان : المشهور أنه لا يعطى ، فإن أخذ فلا يلزمه رده إذا صار إلى بلده ولا إخراجه . الرابعة والعشرون - فإن جاء وادعى وصفا من الأوصاف ، هل يقبل قوله أم لا ويقال له أثبت ما تقول . فأما الدين فلا بد أن يثبته ، وأما سائر الصفات فظاهر الحال يشهد له ويكتفى به فيها . والدليل على ذلك حديثان صحيحان أخرجهما أهل الصحيح ، وهو ظاهر القرآن . روى مسلم عن جرير [ عن أبيه ] ( 1 ) قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في صدر النهار ، قال : فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار ( 2 ) أو العباء متقلدي السيوف ، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر ، فتمعر ( 3 ) وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة ، فدخل ثم خرج فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى ، ثم خطب فقال : " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم - الآية إلى قوله - رقيبا " ( 4 ) [ النساء : 1 ] والآية التي في الحشر " ولتنظر نفس ما قدمت لغد " ( 5 ) [ الحشر : 18 ] تصدق رجل من ديناره من درهمه من ثوبه من صاع بره - حتى قال - ولو بشق تمرة . قال : فجاء رجل

--> ( 1 ) زيادة عن صحيح مسلم . ( 2 ) اجتاب القميص : لبسه . والنمار ( بكسر النون ) : كل شملة مخططة من مآزر الاعراب ، كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض . ( 3 ) تمعر : تغير . ( 4 ) راجع ج 5 ص 1 فما بعد . ( 5 ) راجع ج 18 ص 42 فما بعد .