القرطبي
174
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقال النفيلي في موضع آخر : وما الغنى الذي لا تنبغي معه المسألة ؟ قال : ( قدر ما يغديه ويعشيه ) . وقال النفيلي في موضع آخر : ( أن يكون له شبع يوم وليلة أو ليلة ويوم ) . قلت : فهذا ما جاء في بيان الفقر الذي يجوز معه الاخذ . ومطلق لفظ الفقراء لا يقتضي الاختصاص بالمسلمين دون أهل الذمة ، ولكن تظاهرت الاخبار في أن الصدقات تؤخذ من أغنياء المسلمين فترد في فقرائهم . وقال عكرمة : الفقراء فقراء المسلمين ، والمساكين فقراء أهل الكتاب . وقال أبو بكر العبسي : رأى عمر بن الخطاب ذميا مكفوفا مطروحا على باب المدينة فقال له عمر : مالك ؟ قال : استكروني في هذه الجزية ، حتى إذا كف بصري تركوني وليس لي أحد يعود علي بشئ . فقال عمر : ما أنصفت إذا ، فأمر له بقوته وما يصلحه . ثم قال : هذا من الذين قال الله تعالى [ فيهم ] ( 1 ) : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " الآية . وهم زمني أهل الكتاب ) ولما قال تعالى : " إنما الصدقات للفقراء والمساكين " الآية ، وقابل الجملة بالجملة وهي جملة الصدقة بجملة المصرف بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ، فقال لمعاذ حين أرسله إلى اليمن : ( أخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم ) . فاختص أهل كل بلد بزكاة بلده . وروى أبو داود أن زيادا أو بعض الامراء بعث عمران بن حصين على الصدقة ، فلما رجع قال لعمران : أين المال ؟ قال : وللمال أرسلتني ! أخذناها من حيث كنا نأخذها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضعنا ها حيث كنا نضعها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروى الدارقطني والترمذي عن عون بن أبي جحيفة [ عن أبيه ] ( 2 ) قال : قدم علينا مصدق النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا فكنت غلاما يتيما فأعطاني منها قلوصا . قال الترمذي : وفي الباب عن ابن عباس حديث ابن أبي جحيفة حديث حسن .
--> ( 1 ) من ى . ( 2 ) زيادة عن سنن الدارقطني والترمذي .