القرطبي
169
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
المسكين . قالوا : الفقير هو الذي له بعض ما يكفيه ويقيمه ، والمسكين الذي لا شئ له ، واحتجوا بقول الراعي : أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سبد ( 1 ) وذهب إلى هذا قوم من أهل اللغة والحديث منهم أبو حنيفة والقاضي عبد الوهاب ، والوفق من الموافقة بين الشيئين كالالتحام ، يقال : حلوبته وفق عياله أي لها لبن قدر كفايتهم لا فضل فيه ، عن الجوهري . وقال آخرون بالعكس ، فجعلوا المسكين أحسن حالا من الفقير . واحتجوا بقوله تعالى : " أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر " ( 2 ) [ الكهف : 79 ] . فأخبر أن لهم سفينة من سفن البحر . وربما ساوت جملة من المال . وعضدوه بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ من الفقر . وروي عنه أنه قال : " اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا " . فلو كان المسكين أسوأ حالا من الفقير لتناقض الخبران ، إذ يستحيل أن يتعوذ من الفقر ثم يسأل ما هو أسوأ حالا منه ، وقد استجاب الله دعاءه وقبضه وله مما أفاء الله عليه ، ولكن لم يكن معه تمام الكفاية ، ولذلك رهن درعه . قالوا : وأما بيت الراعي فلا حجة فيه ، لأنه إنما ذكر أن الفقير كانت له حلوبة في حال . قالوا : والفقير معناه في كلام العرب المفقور الذي نزعت فقره ( 3 ) من ظهره من شدة الفقر فلا حال أشد من هذه . وقد أخبر الله عنهم بقوله " لا يستطيعون ضربا في الأرض " ( 4 ) [ البقرة : 273 ] . واستشهدوا بقول الشاعر : لما رأى لبد النسور تطايرت * رفع القوادم كالفقير الأعزل ( 5 ) أي لم يطق الطيران فصار بمنزلة من انقطع صلبه ولصق بالأرض . ذهب إلى هذا الأصمعي وغيره ، وحكاه الطحاوي عن الكوفيين . وهو أحد قولي الشافعي وأكثر أصحابه . وللشافعي
--> ( 1 ) السبد : الوبر . وقيل الشعر . والعرب تقول : ما له سبد ولا لبد أي ماله ذو وبر ولا صوف متلبد ويكنى بهما عن الإبل والغنم . ( 2 ) راجع ج 11 ص 33 فما بعده . ( 3 ) الفقرة ( بالكسر ) الفقرة والفقارة ( بفتحهما ) : ما انتضد من عظام الصلب من لدن الكاهل إلى العجب . ( 4 ) راجع ج 3 ص 339 . ( 5 ) البيت للبيد . ولبد : اسم آخر نسور لقمان بن عاد سماه بذلك لأنه لبد فبقى لا يذهب ولا يموت . والقوادم : أربع أو عشر ريشات في مقدم الجناح ، الواحدة قادمة .