القرطبي
85
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون ( 129 ) قوله تعالى : " وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا " المعنى وكما فعلنا بهؤلاء مما وصفته لكم من استمتاع بعضهم ببعض أجعل بعض الظالمين أولياء بعض ، ثم يتبرأ بعضهم من بعض غدا . ومعنى " نولي " على هذا نجعل وليا . قال ابن زيد : نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس . وعنه أيضا : نسلط بعض الظلمة على بعض فيهلكه ويذله . وهذا تهديد للظالم إن لم يمتنع من ظلمه سلط الله عليه ظالما آخر . ويدخل في الآية جميع من يظلم نفسه ( 1 ) أو يظلم الرعية ، أو التاجر يظلم الناس في تجارته أو السارق وغيرهم . وقال فضيل بن عياض : إذا رأيت ظالما ينتقم من ظالم فقف ، وانظر فيه متعجبا . وقال ابن عباس : إذا رضي الله عن قوم ولى أمرهم خيارهم ، إذا سخط الله على قوم ولى أمرهم شرارهم . وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أعان ظالما سلطه الله عليه ) . وقيل : المعنى نكل بعضهم إلى بعض فيما يختارونه من الكفر ، كما نكلهم غدا إلى رؤسائهم الذين لا يقدرون على تخليصهم من العذاب أي كما نفعل بهم ذلك في الآخرة كذلك نفعل بهم في الدنيا . وقد قيل في قوله تعالى : " نوله ما تولى ( 2 ) " نكله إلى ما وكل إليه نفسه . قال ابن عباس : تفسيرها هو أن الله إذا أراد بقوم شرا ( 3 ) ولى أمرهم شرارهم . يدل عليه قول تعالى : " وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ( 4 ) " . قوله تعالى : يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كفرين ( 130 ) قوله تعالى : ( يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم ) أي يوم نحشرهم نقول ( لهم ( 5 ) ) ألم يأتكم رسل فحذف ، فيعترفون بما فيه افتضاحهم . ومعنى " منكم " في الخلق والتكليف والمخاطبة .
--> ( 1 ) من ك . ( 2 ) راجع ج 5 ص 385 . ( 3 ) في ك . : سوءا . ( 4 ) راجع ج 16 ص 30 . ( 5 ) من ك .