القرطبي
81
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ) أي يوسعه له ، ويوفقه ويزين عنده ثوابه . ويقال : شرح شق ، وأصله التوسعة . وشرح الله صدره وسعه بالبيان لذلك . وشرحت الأمر : بنته وأوضحته . وكانت قريش تشرح النساء شرحا ، وهو مما تقدم : من التوسعة والبسط ، وهو وطء المرأة مستلقية على قفاها . فالشرح : الكشف ، تقول : شرحت الغامض ، ومنه تشريح اللحم . قال الراجز : كم قد أكلت كبدا وإنفحه * ثم ادخرت إليه مشرحه والقطعة منه شريحة . وكل سمين من اللحم ممتد فهو شريحة . ( ومن يرد أن يضله ) يغويه ( يجعل صدره ضيقا حرجا ) وهذا رد على القدرية . ونظير هذه الآية من السنة قوله عليه السلام : ( من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ) أخرجه الصحيحان . ولا يكون ذلك إلا بشرح الصدر وتنويره . والدين العبادات ، كما قال : " إن الدين عند الله الإسلام ( 1 ) " ودليل خطابه أن من لم يرد الله به خيرا ضيق صدره ، وأبعد فهمه فلم يفقهه . والله أعلم . وروي أن عبد الله بن مسعود قال : يا رسول الله ، وهل ينشرح الصدر ؟ فقال : ( نعم يدخل القلب نور ) فقال : وهل لذلك من علامة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والاستعداد للموت قبل نزول الموت ) . وقرأ ابن كثير " ضيقا " بالتخفيف ، مثل ( 2 ) هين ولين لغتان . ونافع وأبو بكر " حرجا " بالكسر ، ومعناه الضيق . كرر ( 3 ) المعنى ، وحسن ذلك لاختلاف اللفظ . والباقون بالفتح . جمع حرجة ، وهو شدة الضيق أيضا ، والحرجة الغيضة ( 4 ) ، والجمع حرج وحرجات . ومنه فلان يتحرج أي يضيق على نفسه في تركه هواه للمعاصي ، قال الهروي . وقال ابن عباس : الحرج موضع الشجر الملتف ، فكأن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية إلى الموضع الذي التف شجره . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا المعنى ، ذكره مكي والثعلبي وغيرهما . وكل ضيق حرج . قال الجوهري : مكان حرج وحرج أي ضيق كثير الشجر لا تصل إليه
--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 43 . ( 2 ) في ك : عين . ( 3 ) الأولى أن يكون حرجا : المتزايد في الضيق فيكون أخص من الأول . ( 4 ) الشجر الملتف .