القرطبي
67
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الاستثناء لأهل السعادة الذين سبق لهم في علم الله الإيمان . وفى هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم . ( ولكن أكثرهم يجهلون ) أي يجهلون الحق وقيل : يجهلون أنه لا يجوز اقتراح الآيات بعد أن رأوا آية واحدة . قوله تعالى : وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون ( 112 ) قوله تعالى : ( وكذلك جعلنا لكل نبي ) يعزي نبيه ويسليه ، أي كما ابتليناك بهؤلاء القوم فكذلك جعلنا لكل نبي قبلك ( عدوا ) أي أعداء . ثم نعتهم فقال ( شياطين الإنس والجن ) حكى سيبويه جعل بمعنى وصف . " عدوا " مفعول أول . " لكل نبي " في موضع المفعول الثاني . " شياطين الإنس والجن " بدل من عدو . ويجوز أن يكون " شياطين " مفعولا أول ، " عدوا " مفعولا ثانيا ، كأنه قيل : جعلنا شياطين الإنس والجن عدوا . وقرأ الأعمش : " شياطين الجن والإنس " بتقديم الجن . والمعنى واحد . ( يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا ) عبارة عما يوسوس به شياطين الجن إلى شياطين الإنس . وسمي وحيا لأنه إنما يكون خفية ، وجعل تمويههم زخرفا لتزيينهم إياه ، ومنه سمي الذهب زخرفا . وكل شئ حسن مموه فهو زخرف . والمزخرف المزين . وزخارف الماء طرائقه . و " غرورا " نصب على المصدر ، لأن معنى " يوحي بعضهم إلى بعض " يغرونهم بذلك غرورا . ويجوز أن يكون في موضع الحال والغرور الباطل . قال النحاس : وروي عن ابن عباس بإسناد ضعيف أنه قال في قول الله عز وجل " يوحي بعضهم إلى بعض " قال : مع كل جني شيطان ، ومع كل إنسي شيطان ، فيلقى أحدهما الآخر فيقول : إني قد أضللت صاحبي بكذا فأضل صاحبك بمثله . ويقول الآخر مثل ذلك ، فهذا وحي بعضهم إلى بعض . وقاله عكرمة والضحاك