القرطبي

40

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله ) " من " في موضع خفض ، أي ومن أظلم ممن قال سأنزل ، والمراد عبد الله بن أبي سرح الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتد ولحق بالمشركين . وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون أنه لما نزلت الآية التي في " المؤمنون " : " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ( 1 ) " دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه ، فلما انتهى إلى قوله " ثم أنشأنا خلقا آخر " عجب عبد الله في تفصيل خلق الإنسان فقال : " تبارك الله أحسن الخالقين " . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وهكذا أنزلت على ) فشك عبد الله حينئذ وقال : لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إلى كما أوحى إليه ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال . فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ، فذلك قوله : " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " رواه الكلبي عن ابن عباس . وذكره محمد بن إسحاق قال حدثني شرحبيل قال : نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح " ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله " ارتد عن الإسلام ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر بقتله وقتل عبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة ، ففر عبد الله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه ، وكان أخاه من الرضاعة ، أرضعت أمه عثمان ، فغيبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له ، فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال : ( نعم ) . فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه ) . فقال رجل من الأنصار : فهلا أومأت إلي يا رسول الله ؟ فقال : ( إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين ( 2 ) . قال أبو عمر : وأسلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح أيام الفتح فحسن إسلامه ، ولم يظهر منه ما ينكر عليه بعد ذلك . وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش ، وفارس بني عامر بن لؤي المعدود فيهم ، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين . وفتح على يديه إفريقية سنة سبع وعشرين ، وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين ، وهو هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم .

--> ( 1 ) راجع ج 12 ص 108 . ( 2 ) أي يضمر في نفسه غير ما يظهره فإذا كف لسانه وأومأ بعينه فقد خان .