القرطبي

393

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قد يجمع الناس . قال : " نعم ، فيهم المستبصر ( 1 ) والمحبور وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله تعالى على نياتهم " . فإن قيل : فقد قال الله تعالى " ولا تزر وازرة وزر أخرى ( 2 ) " . " كل نفس بما كسبت رهينة ( 3 ) " . " لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ( 4 ) " . وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد ، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب . فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره ، فإذا سكت ( 5 ) عليه فكلهم عاص . هذا بفعله وهذا برضاه . وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل ، فانتظم في العقوبة ( 6 ) ، قاله ابن العربي . وهو مضمون الأحاديث كما ذكرنا . ومقصود الآية : واتقوا فتنة تتعدى الظالم ، فتصيب الصالح والطالح . الثانية - واختلف النحاة في دخول النون في " لا تصيبن " . قال الفراء : هو بمنزلة قولك : انزل عن الدابة لا تطرحنك ، فهو جواب الأمر بلفظ النهي ، أي إن تنزل عنها لا تطرحنك . ومثله قوله تعالى : " ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ( 7 ) " . أي إن تدخلوا لا يحطمنكم ، فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء . وقيل : لأنه خرج مخرج القسم ، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي ألا على جواب القسم . وقال أبو العباس المبرد : إنه نهي بعد أمر ، والمعنى النهي للظالمين ، أي لا تقربن الظلم . وحكى سيبويه : لا أرينك ها هنا ، أي لا تكن ها هنا ، فإنه من كان ها هنا رأيته . وقال الجرجاني : المعنى اتقوا فتنة تصيب الذين ظلموا خاصة . فقوله " لا تصيبن " نهي في موضع وصف النكرة ، وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا . وقرأ علي وزيد بن ثابت وأبي وابن مسعود " لتصيبن " بلا ألف . قال المهدوي : من قرأ " لتصيبن " جاز أن يكون مقصورا من " لا تصيبن " حذفت الألف كما حذفت من " ما " وهي أخت " لا " في نحو أم والله لأفعلن ، وشبهه . ويجوز أن تكون مخالقة لقراءة الجماعة ، فيكون المعنى أنها تصيب الظالم خاصة .

--> ( 1 ) المستبصر : هو المستبين للأمر ، القاصد لذلك عمدا . والمجبور : المكره . ( 2 ) راجع ج 7 ص 155 فما بعد . وج‍ 10 ص 230 وج‍ 17 ص 113 ( 3 ) راجع ج 19 ص 82 فما بعد . ( 4 ) راجع ج 3 ص 424 فما بعد . ( 5 ) كذا في ب وج‍ وه‍ وك وى . وفى ز : سكتوا . ( 6 ) عبارة ابن العربي : " فانتظم الذنب بالعقوبة " . ( 7 ) راجع ج 13 ص 169 فما بعد .