القرطبي

389

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون ( 24 ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ) هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف . والاستجابة : الإجابة . و ( يحييكم ) أصله يحييكم ، حذفت الضمة من الياء لثقلها . ولا يجوز الإدغام . قال أبو عبيدة : معنى " استجيبوا " أجيبوا ، ولكن عرف الكلام أن يتعدى استجاب بلام ، ويتعدى أجاب دون لام . قال الله تعالى : " يا قومنا أجيبوا داعي الله ( 1 ) " . وقد يتعدى استجاب بغير لام ، والشاهد له قول الشاعر ( 2 ) : وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب تقول : أجابه وأجاب عن سؤاله . والمصدر الإجابة . والاسم الجابة ، بمنزلة الطاقة والطاعة . تقول : أساء سمعا فأساء إجابة ( 3 ) . هكذا يتكلم بهذا الحرف . والمجاوبة والتجاوب : التحاور . وتقول : إنه لحسن الجيبة ( بالكسر ) أي الجواب . ( لما يحييكم ) متعلق بقوله : " استجيبوا " . المعنى : استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم . وقيل : اللام بمعنى إلى ، أي إلى ما يحييكم ، أي يحيي دينكم ويعلمكم . وقيل : أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحدوه ، وهذا إحياء مستعار ، لأنه من موت الكفر والجهل . وقال مجاهد والجمهور : المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي ، ففيه الحياة الأبدية ، والنعمة السرمدية ، وقيل : المراد بقوله " لما يحييكم " الجهاد ، فإنه سبب الحياة في الظاهر ، لأن العدو إذا لم

--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 217 . ( 2 ) هو كعب بن سعد الغنوي يرئى أخاه أيا المغوار . ( 3 ) أصل هذا المثل على ما ذكر الزبير بن بكار أنه كان لسهل بن عمر بن مضعوف فقال له إنسان : أين أمك ( بفتح الهمزة وتشديد الميم المضمومة ) أي أين قصدك ، فظن أنه يقول له : أين أمك ، ( بضم الهمزة والميم ) فقال : ذهبت تشترى دقيقا . فقال أبوه : أساء سمعا . . . الخ . ( عن اللسان ) .