القرطبي

380

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وعمرا جالسا ، بل كان يجوز في الابتداء زيدا منطلقا ، لأن المخبر معلم ، وهذا لا يقوله أحد من النحويين . قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ( 15 ) ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير ( 16 ) فيه سبع مسائل : الأولى - قوله تعالى : ( زحفا ) الزحف الدنو قليلا قليلا . وأصله الاندفاع على الألية ، ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا . والتزاحف : التداني والتقارب ، يقال : زحف إلى العدو زحفا . وازدحف القوم ، أي مشى بعضهم إلى بعض . ومنه زحاف الشعر ، وهو أن يسقط بين الحرفين حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر . يقول : إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفروا عنهم ولا تعطوهم أدباركم . حرم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار . قال ابن عطية : والأدبار جمع دبر . والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة ، لأنها بشعة على الفار ، ذامة له . الثانية - أمر الله عز وجل في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار . وهذا الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين ، فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنين ( 2 ) من المشركين فالفرض ألا يفروا أمامهم . فمن فر من اثنين فهو فار من الزحف . ومن فر من ثلاثة فليس بفار من الزحف ، ولا يتوجه عليه الوعيد . والفرار كبيرة موبقة بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة . وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة : إنه يراعى الضعف والقوة والعدة ، فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس ( 2 ) من مائة فارس إذا علموا أن ما عند المشركين من النجدة والبسالة ضعف ما عندهم . وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا

--> ( 1 ) في ب ، ج ، ه‍ ، ك : مؤمنة . ( 2 ) في ج ، ه‍ : أمام .