القرطبي

369

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قوله تعالى : ( يجادلونك في الحق بعد ما تبين ) مجادلتهم : قولهم لما ندبهم إلى العير وفات العير وأمرهم بالقتال ولم يكن معهم كبير أهبة شق ذلك عليهم وقالوا : لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدة . ومعنى " في الحق " أي في القتال . " بعد ما تبين " لهم أنك لا تأمر بشئ إلا بإذن الله . وقيل : بعد ما تبين لهم أن الله وعدهم إما الظفر بالعير أو بأهل مكة ، وإذ فات العير فلا بد من أهل مكة والظفر بهم . فمعنى الكلام الإنكار لمجادلتهم . ( كأنما يساقون إلى الموت ) كراهة للقاء القوم . ( وهم ينظرون ) أي يعلمون أن ذلك واقع بهم ، قال الله تعالى : " يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ( 1 ) " أي يعلم . قوله تعالى : وإذا يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلمته ويقطع دابر الكافرين ( 7 ) ليحق الحق ويبطل البطل ولو كره المجرمون ( 8 ) قوله تعالى : ( وإذا يعدكم الله إحدى الطائفين أنها لكم ) " إحدى " في موضع نصب مفعول ثان . " أنها لكم " في موضع نصب أيضا بدلا من " إحدى " . وتودون أي تحبون ( أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) قال أبو عبيدة : أي غير ذات الحد . والشوكة : السلاح . والشوك : النبت الذي له حد ، ومنه رجل شائك السلاح ، أي حديد السلاح . ثم يقلب فيقال : شاكي السلاح . أي تودون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح ولا فيها حرب ، عن الزجاج . ( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ) أي أن يظهر الإسلام . والحق حق أبدا ، ولكن إظهاره تحقيق له من حيث إنه إذا لم يظهر أشبه الباطل . " بكلماته " أي بوعده ، فإنه وعد نبيه ذلك في سورة " الدخان " فقال : " يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون ( 2 ) " أي من أبي جهل وأصحابه . وقال : " ليظهره على الدين كله ( 3 ) " . وقيل : " بكلماته " أي

--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 183 . ( 2 ) راجع ج 16 ص 133 . ( 3 ) راجع ج 8 ص 121 . فما بعده .