القرطبي

366

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

المعرفة وثقة القلب . والوجل : الفزع من عذاب الله ، فلا تناقض . وقد جمع الله بين المعنيين في قوله " الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ( 1 ) " . أي تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله وإن كانوا يخافون الله . فهذه حالة العارفين بالله ، الخائفين من سطوته وعقوبته ، لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام ( 2 ) من الزعيق والزئير ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير . فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع : لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله ، والخوف منه ، والتعظيم لجلاله ، ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من الله . ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال : " وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين ( 3 ) " . فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم . ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم ، فمن كان مستنا فليستن ، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا ، والجنون فنون . روى مسلم عن أنس بن مالك أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه ( 4 ) في المسألة ، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال : " سلوني لا تسألوني عن شئ إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا " . فلما سمع ذلك القوم أرموا ( 5 ) ورهبوا أن يكون بين ( يدي ( 6 ) ) أمر قد حضر . قال أنس : فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي . وذكر الحديث . وروى الترمذي وصححه عن العرباض بن سارية قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . الحديث . ولم يقل : زعقنا ولا رقصنا ولا زفنا ( 7 ) ولا قمنا .

--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 248 . ( 2 ) الطغام والطغامة : أرذال الناس وأوغادهم . ( 3 ) راجع ج 6 ص 258 . ( 4 ) أي أكثروا عليه . أحفى في السؤال وألحف بمعنى ألح . ( 5 ) أرحم الرجل إرماما : إذا سكت فهو مرم . ( 6 ) زيادة عن صحيح مسلم . ( 7 ) زفن " من باب ضرب " : رقص ، وأصله الدفع الشديد والضرب بالرجل : كما يفعل الراقص .