القرطبي
344
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون ( 197 ) وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتريهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ( 198 ) قوله تعالى : ( والذين تدعون من دونه ) كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر . ( وإن تدعوهم إلى الهدى ) شرط ، والجواب ( لا يسمعوا ) . ( وتراهم ) مستأنف . ( ينظرون إليك ) في موضع الحال . يعني الأصنام . ومعنى النظر فتح العينين المنظور إليه ، وتراهم كالناظرين إليك . وخبر عنهم بالواو وهي جماد لا تبصر ، لأن الخبر جرى على فعل من يعقل . وقيل : كانت لهم أعين من جواهر مصنوعة فلذلك قال " وتراهم ينظرون " وقيل : المراد بذلك المشركون ، أخبر عنهم بأنهم لا يبصرون حين لم ينتفعوا بأبصارهم . قوله تعالى : خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجهلين ( 199 ) فيه ثلاث مسائل : الأولى - هذه الآية من ثلاث كلمات ، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات . فقوله : ( خذ العفو ) دخل فيه صلة القاطعين ، والعفو عن المذنبين ، والرفق بالمؤمنين ، وغير ذلك من أخلاق المطيعين ودخل في قوله : ( وأمر بالعرف ) صلة الأرحام ، وتقوى الله في الحلال والحرام ، وغض الأبصار ، والاستعداد لدار القرار . وفي قوله ( وأعرض عن الجاهلين ) الحض على التعلق بالعلم ، والإعراض عن أهل الظلم ، والتنزه عن منازعة السفهاء ، ومساواة الجهلة الأغبياء ، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة . قلت : هذه الخصال تحتاج إلى بسط ، وقد جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن سليم . قال جابر بن سليم أبو جري : ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله