القرطبي

329

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وحيدا ( 1 ) " وقوله : " ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ( 2 ) " . وهو الظاهر من الآية ، لقول تعالى : سيجزون ما كانوا يعلمون . والله أعلم . قوله تعالى : وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ( 181 ) في الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( هم هذه الأمة ) . وروي أنه قال : ( هذه لكم وقد أعطى الله قوم موسى مثلها ) وقرأ هذه الآية وقال : " إن من أمتي قوما على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم " . فدلت الآية على أن الله عز وجل لا يخلي الدنيا في وقت من الأوقات من داع يدعو إلى الحق . قوله تعالى : والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ( 182 ) أخبر تعالى عمن كذب بآياته أنه سيستدرجهم . قال ابن عباس : هم أهل مكة . والاستدراج هو الأخذ بالتدريج ، منزلة بعد منزلة . والدرج : لف الشئ ، يقال : أدرجته ودرجته . ومنه أدرج الميت في أكفانه . وقيل : هو من الدرجة ، فالاستدراج أن يحط درجة بعد درجة إلى المقصود . قال الضحاك : كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم نعمة . وقيل لذي النون : ما أقصى ما يخدع به العبد ؟ قال : بالألطاف والكرامات ، لذلك قال سبحانه وتعالى : " سنستدرجهم من حيث لا يعلمون " نسبغ عليهم النعم وننسيهم الشكر ، وأنشدوا : أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت * ولم تخف سوء ما يأتي به القدر وسالمتك الليالي فاغتررت بها * وعند صفو الليالي يحدث الكدر قوله تعالى : وأملى لهم إن كيدي متين ( 183 ) قوله تعالى : ( وأملى لهم ) أي أطيل لهم المدة وأمهلهم وأؤخر عقوبتهم . ( إن كيدي ) أي مكري . ( متين ) أي شديد قوي . وأصله من المتن ، وهو اللحم الغليظ الذي عن جانب

--> ( 1 ) راجع ج 19 ص 69 . ( 2 ) راجع ج 10 ص 2 .