القرطبي

287

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

والسدي : رجع حزينا من صنيع قومه . وقال الطبري : أخبره الله عز وجل قبل رجوعه أنهم قد فتنوا بالعجل ، فلذلك رجع وهو غضبان . ابن العربي : وكان موسى عليه السلام من أعظم الناس غضبا ، لكنه كان سريع الفيئة ( 1 ) ، فتلك بتلك . قال ابن القاسم : سمعت مالكا يقول : كان موسى عليه السلام إذا غضب طلع الدخان من قلنسوته ، ورفع شعر بدنه جبته . وذلك أن الغضب جمرة تتوقد في القلب . ولأجله أمر النبي صلى الله عليه وسلم من غضب أن يضطجع . فإن لم يذهب غضبه اغتسل ، فيخمدها اضطجاعه ويطفئها اغتساله . وسرعة غضبه كان سببا لصكه ملك الموت ففقأ عينه . وقد تقدم في المائدة ( 2 ) ما للعلماء في هذا . وقال الترمذي الحكيم : وإنما استجاز موسى عليه السلام ذلك لأنه كليم الله ، كأنه رأى أن من اجترأ عليه أو مد إليه يدا بأذى فقد عظم الخطب فيه . ألا ترى أنه احتج عليه فقال : من أين تنزع روحي ؟ أمن فمي وقد ناجيت به ربي ! أم من سمعي وقد سمعت به كلام ربي ! أم من يدي وقد قبضت منه ( 3 ) الألواح ! أم من قدمي وقد قمت بين يديه أكلمه بالطور ! أم من عيني وقد أشرق وجهي لنوره . فرجع إلى ربه مفحما . وفي مصنف أبي داود عن أبي ذر قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا : ( إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ) . وروي أيضا عن أبي وائل القاص قال : دخلنا على عروة بن محمد السعدي فكلمه رجل فأغضبه ، فقام ثم رجع وقد توضأ ، فقال : حدثني أبي عن جدي عطية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن الغضب من الشيطان وإن الشيطان خلق من النار وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ ) . قوله تعالى : ( بئسما خلفتموني من بعدي ) ذم منه لهم ، أي بئس العمل عملتم ( 4 ) بعدي . يقال : خلفه ، بما يكره . ويقال في الخير أيضا . يقال منه : خلفه بخير أو بشر في أهله وقومه

--> ( 1 ) الفيئة ( بفتح الفاء وكسرها ) : الحالة من الرجوع عن الشئ الذي يكون قد لابسه الإنسان وباشره . ( 2 ) راجع ج 6 ص 122 . ( 3 ) في ج : به . ( 4 ) في ب : عملكم .