القرطبي

280

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

كلامه ورؤيته بين محمد وموسى صلى الله وسلم عليهما ، فكلمه موسى مرتين ، ورآه محمد صلى الله عليه وسلم مرتين . قوله تعالى : قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين ( 144 ) قوله تعالى : ( يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي ) الاصطفاء : الاجتباء ، أي فضلتك . ولم يقل على الخلق ، لأن من هذا الاصطفاء أنه كلمه وقد كلم الملائكة وأرسله وأرسل غيره . فالمراد " على الناس " المرسل إليهم . وقرأ " برسالتي " على الإفراد نافع وابن كثير . والباقون بالجمع . والرسالة مصدر ، فيجوز إفرادها . ومن جمع على أنه أرسل بضروب من الرسالة فاختلفت أنواعها ، فجمع المصدر لاختلاف أنواعه ، كما قال : " إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ( 1 ) " . فجمع لاختلاف أجناس الأصوات واختلاف المصوتين . ووحد في قوله " الصوت " لما أراد به جنسا واحدا من الأصوات . ودل هذا على أن قومه لم يشاركه في التكليم ولا واحد من السبعين ، كما بيناه في " البقرة ( 2 ) " . قوله تعالى : ( فخذ ما آتيك ) إشارة إلى القناعة ، أي اقنع بما أعطيتك . ( وكن من الشاكرين ) أي من المظهرين لإحساني إليك وفضلي عليك ، يقال : دابة شكور إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف . والشاكر معرض للمزيد كما قال : " لئن شكرتم لأزيدنكم ( 3 ) " . ويروى أن موسى عليه السلام مكث بعد أن كلمه الله تعالى أربعين ليلة لا يراه أحد إلا مات من نور الله عز وجل . قوله تعالى : وكتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأوريكم دار الفسقين ( 145 )

--> ( 1 ) راجع ج 14 ص 71 . ( 2 ) راجع ج 1 ص 403 . ( 3 ) راجع ج 9 ص 342 .