القرطبي

276

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

هارون ، فلما فصل ( 1 ) موسى إلى ربه زاده الله عشرا ، فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله بما فعلوه من عبادة العجل ، على ما يأتي بيانه . ثم الزيادة التي تكون على الأجل تكون مقدرة ، كما أن الأجل مقدر . ولا يكون إلا باجتهاد من الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر : من وقت وحال وعمل ، فيكون مثل ثلث المدة السالفة ، كما أجل الله لموسى . فإن رأى الحاكم أن يجمع له الأصل في الأجل والزيادة في مدة واحدة جاز ، ولكن لا بد من التربص بعدها لما يطرأ من العذر على البشر ، قال ابن العربي . روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة ( 2 ) . قلت : وهذا أيضا أصل لإعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى . وكان هذا لطفا بالخلق ، ولينفذ القيام عليهم بالحق . يقال : أعذر في الأمر أي بالغ فيه ، أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده . وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم لتتم حجته عليهم ، " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ( 3 ) " . وقال " وجاءكم النذير ( 4 ) " قيل : هم الرسل . ابن عباس : هو الشيب . فإنه يأتي في سن الاكتهال ، فهو علامة لمفارقة سن الصبا . وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك العباد ، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله ، وترقب المنية ولقاء الله ، ففيه إعذار بعد إعذار ( 5 ) . الأول بالنبي عليه السلام ، والثاني بالشيب ، وذلك عند كمال الأربعين ، قال الله تعالى : " وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك ( 6 ) " . فذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد أن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها ( 7 ) . قال مالك : أدركت أهل العلم ببلدنا ، وهم يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة ، فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس . الثالثة - ودلت الآية أيضا على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام ، لقوله تعالى : " ثلاثين ليلة " لأن الليالي أوائل الشهور . وبها كانت الصحابة رضي الله عنهم تخبر عن

--> ( 1 ) فصل : خرج . ( 2 ) أي لم يبق فيه موضعا للاعتذار حيث أمهله طول هذه المدة ولم يعتذر . ( 3 ) راجع ج 10 ص 231 . ( 4 ) راجع ج 14 ص 351 . ( 5 ) في ب : وإنذار بعد إنذار . ( 6 ) راجع ج 16 ص 194 . ( 7 ) كذا في ج وك وهو الصواب . وفى ا وب وز وى يشكرهما .