القرطبي

243

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الأولى - قوله تعالى : ( ولوطا إذ قال لقومه ) قال الفراء : لوط مشتق من قولهم : هذا أليط بقلبي ، أي ألصق . وقال النحاس : قال الزجاج زعم بعض النحويين - يعني الفراء - أن لوطا يجوز أن يكون مشتقا من لطت إذا ملسته بالطين . قال : وهذا غلط ، لأن الأسماء الأعجمية لا تشتق كإسحاق ، فلا يقال : إنه من السحق وهو البعد . وإنما صرف لوط لخفته ( 1 ) لأنه على ثلاثة أحرف وهو ساكن الوسط . قال النقاش : لوط من الأسماء الأعجمية وليس من العربية . فأما لطت الحوض ، وهذا أليط بقلبي من هذا ، فصحيح . ولكن الاسم أعجمي كإبراهيم وإسحاق . قال سيبويه : نوح ولوط أسماء أعجمية ، إلا أنها خفيفة فلذلك صرفت . بعثه الله تعالى إلى أمة تسمى سدوم ، وكان ابن أخي إبراهيم . ونصبه إما ب‍ " أرسلنا " المتقدمة فيكون معطوفا . ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى واذكر . الثانية - قوله تعالى : ( أتأتون الفاحشة ) يعني إتيان الذكور . ذكرها الله باسم الفاحشة ليبين أنها زنى ، كما قال الله تعالى : " ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة ( 2 ) " . واختلف العلماء فيما يجب على من فعل ذلك بعد إجماعهم على تحريمه ، فقال مالك : يرجم ، أحصن أو لم يحصن . وكذلك يرجم المفعول به إن كان محتلما . وروي عنه أيضا : يرجم إن كان محصنا ، ويحبس ويؤدب إن كان غير محصن . وهو مذهب عطاء والنخعي وابن المسيب وغيرهم . وقال أبو حنيفة : يعزر المحصن وغيره ، وروي عن مالك . وقال الشافعي : يحد حد الزنى قياسا عليه . احتج مالك بقول تعالى : " وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل " . فكان ذلك عقوبة لهم وجزاء على فعلهم . فإن قيل : لا حجة فيها لوجهين ، أحدهما - أن قوم لوط إنما عوقبوا على الكفر والتكذيب كسائر الأمم . الثاني - أن صغيرهم وكبيرهم دخل فيها ، فدل على خروجها من باب الحدود . قيل : أما الأول فغلط ، فإن الله سبحانه أخبر عنهم أنهم كانوا على معاصي فأخذهم بها ، منها هذه . وأما الثاني فكان منهم فاعل وكان منهم راض ، فعوقب الجميع لسكوت الجماهير عليه . وهي حكمة الله وسنته في عباده .

--> ( 1 ) من ب وج‍ ك وى وز . ( 2 ) راجع ج 10 ص 253 وص 42 وج‍ 9 ص 81 .