القرطبي
226
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثالثة - قوله تعالى : ( إنه لا يحب المعتدين ) يريد في الدعاء وإن كان اللفظ عاما ( إلى هذا هي الإشارة ( 1 ) . والمعتدي هو المجاوز للحد ومرتكب الحظر . وقد يتفاضل بحسب ما اعتدى فيه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سيكون قوم يعتدون في الدعاء ) . أخرجه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة . حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سعيد الجريري عن أبي نعامة أن عبد الله بن مغفل سمع ابنه يقول : اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الجنة إذا دخلتها . فقال : أي بني ، سل الله الجنة وعذبه من النار ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( سيكون قوم يعتدون في الدعاء ) . والاعتداء في الدعاء على وجوه : منها الجهر الكثير والصياح ، كما تقدم . ومنها أن يدعو الإنسان في أن تكون له منزلة نبي ، أو يدعو في محال ، ونحو هذا من الشطط . ومنها أن يدعو طالبا معصية وغير ذلك . ومنها أن يدعو بما ليس في الكتاب والسنة ، فيتخير ألفاظا مفقرة ( 2 ) وكلمات مسجعة قد وجدها في كراريس لا أصل لها ولا معول عليها ، فيجعلها شعاره ويترك ما دعا به رسوله عليه السلام . وكل هذا يمنع من استجابة الدعاء . كما تقدم في البقرة بيانه . قوله تعالى : ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمت الله قريب من المحسنين قوله تعالى : ( ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ) فيه مسألة واحدة وهو أنه سبحانه نهى عن كل فساد قل أو كثر بعد صلاح قل أو كثر . فهو على العموم على الصحيح من الأقوال . وقال الضحاك : معناه لا تعوروا ( 4 ) الماء المعين ، ولا تقطعوا الشجر المثمر ضرارا . وقد ورد : قطع الدنانير من الفساد في الأرض . وقد قيل : تجارة الحكام من الفساد في الأرض . وقال القشيري : المراد ولا تشركوا ، فهو نهي عن الشرك وسفك الدماء والهرج في الأرض ، وأمر بلزوم الشرائع بعد إصلاحها ، بعد أن أصلحها الله ببعثه الرسل ، وتقرير ( 5 )
--> ( 1 ) ما بين المربعات هكذا ورد في نسخ الأصل ولعله زيادة من الناسخ . ( 2 ) في ع : مقفاه . ( 3 ) راجع ج 2 ص 308 . ( 4 ) عورت عيون المياه : إذا دفنها وسددتها . ( 5 ) في ز : تقدير .