القرطبي
221
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقد يؤول العرش في الآية بمعنى الملك ، أي ما استوى الملك إلا له جل وعز . وهو قول حسن وفيه نظر ، وقد بيناه في جملة الأقوال في كتابنا . والحمد لله . قوله تعالى : ( يغشى الليل النهار ) أي يجعله كالغشاء ، أي يذهب نور النهار ليتم قوام الحياة في الدنيا بمجئ الليل . فالليل للسكون ، والنهار للمعاش . وقرئ " يغشى " بالتشديد ، ومثله في " الرعد ( 1 ) " . وهي قراءة أبي بكر عن عاصم وحمزة والكسائي . وخفف الباقون . وهما لغتان أغشى وغشى . وقد أجمعوا على " فغشاها ( 2 ) ما غشى " مشددا . وأجمعوا على " فأغشيناهم ( 3 ) " فالقراءتان متساويتان . وفي التشديد معنى التكرير والتكثير . والتغشية والإغشاء : إلباس الشئ الشئ . ولم يذكر في هذه الآية دخول النهار على الليل ، فاكتفى بأحدهما عن الآخر ، مثل " سرابيل تقيكم ( 4 ) الحر " . " بيدك الخير ( 5 ) " . وقرأ حميد بن قيس " يغشي الليل النهار " ومعناه أن النهار يغشى الليل . ( يطلبه حثيثا ) أي يطلبه دائما من غير فتور . و " يغشي الليل النهار " في موضع نصب على الحال . والتقدير : استوى على العرش مغشيا الليل النهار . وكذا " يطلبه حثيثا " حال من الليل ، أي يغشي الليل النهار طالبا له . ويحتمل أن تكون الجملة مستأنفة ليست بحال . " حثيثا " بدل من طالب المقدر أو نعت له ، أو نعت لمصدر محذوف ، أي يطلبه طلبا سريعا . والحث : الإعجال والسرعة . وولى حثيثا أي مسرعا . ( والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ) قال الأخفش : هي معطوفة على السماوات ، أي وخلق الشمس . وروي عن عبد الله بن عامر بالرفع فيها كلها على الابتداء والخبر . قوله تعالى : ( ألا له الخلق والأمر ) فيه مسألتان الأولى - صدق الله في خبره ، فله الخلق وله الأمر ، خلقهم وأمرهم بما أحب . وهذا الأمر يقتضي النهي . قال ابن عيينة : فرق بين الخلق والأمر ، فمن جمع بينهما فقد كفر .
--> ( 1 ) راجع ج 9 ص 280 . ( 2 ) راجع ج 17 ص 121 . ( 3 ) راجع ج 15 ص 9 . ( 4 ) راجع ج 10 ص 159 . ( 5 ) راجع ج 4 ص 51 .