القرطبي
210
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
نعم . ونعم ونعم ، لغتان بمعنى العدة والتصديق . فالعدة إذا استفهمت عن موجب نحو قولك : أيقوم زيد ؟ فيقول نعم . والتصديق إذا أخبرت عما وقع ، تقول : قد كان كذا وكذا ، فيقول نعم . فإذا استفهمت عن منفي فالجواب بلى نحو قولك ألم أكرمك ، فيقول بلى . فنعم لجواب الاستفهام الداخل على الإيجاب كما في هذه الآية . وبلى ، لجواب الاستفهام الداخل على النفي ، كما قال تعالى : " ألست بربكم قالوا بلى ( 1 ) " . وقرأ البزي وابن عامر وحمزة والكسائي " أن لعنة الله " وهو الأصل . وقرأ الباقون بتخفيف " أن " ورفع اللعنة على الابتداء . ف " أن " في موضع نصب على القراءتين على إسقاط الخافض . ويجوز في المخففة ألا يكون لها موضع من الإعراب ، وتكون مفسرة كما تقوم . وحكي عن الأعمش أنه قرأ " إن لعنة الله " بكسر الهمزة ، فهذا على إضمار القول كما قرأ الكوفيون ( 2 ) " فناداه الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب إن الله " ويروى أن طاوسا دخل على هشام بن عبد الملك فقال له : اتق الله واحذر يوم الأذان . فقال : وما يوم الأذان ؟ قال : قوله تعالى : " فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين " فصعق هشام . فقال طاوس : هذا ذل الصفة فكيف ذل المعاينة . قوله تعالى : ( الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم بالآخرة كافرون ( 45 ) قوله تعالى : ( الذين يصدون عن سبيل الله ) في موضع خفض ل " ظالمين " على النعت . ويجوز الرفع والنصب على إضمارهم أو أعني . أي الذين كانوا يصدون في الدنيا الناس عن الإسلام . فهو من الصد الذي هو المنع . أو يصدون بأنفسهم عن سبيل الله أي يعرضون . وهذا من الصدود . ( ويبغونها عوجا ) يطلبون اعوجاجها ويذمونها فلا يؤمنون بها . وقد مضى هذا ( 3 ) المعنى . - ( وهم بالآخرة كافرون ) أي وكانوا بها كافرين ، فحذف وهو كثير في الكلام .
--> ( 1 ) راجع ص 313 من هذا الجزء . ( 2 ) كذا في الأصول . وتقدم في ج 4 ص 74 أنها قراءة حمزة والكسائي فيكون الصواب : الكوفيان . وفى الشواذ قراءة ابن مسعود . ( 3 ) راجع ج 4 ص 154 .