القرطبي
186
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
فيه مسألتان : الأولى - قوله تعالى : ( لا يفتننكم ) أي لا يصرفنكم الشيطان عن الدين ، كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة . " أب " للمذكر ، و " أبة " للمؤنث . فعلى هذا قيل : أبوان ( ينزع عنهما لباسهما ) في موضع نصب على الحال . ويكون مستأنفا فيوقف على " من الجنة " . " ليريهما " نصب بلام كي . ( إنه يراكم هو وقبيله ) الأصل يرءاكم ثم خففت الهمزة . وقبيله عطف على المضمر وهو توكيد ليحسن العطف كقوله : ( أسكن أنت وزوجك الجنة ) وهذا يدل على أنه يقبح رأيتك وعمرو ، وأن المضمر كالمظهر وفي هذا أيضا دليل على وجوب ستر العورة ، لقوله : ( ينزع عنهما لباسهما ) . قال الآخرون : إنما فيه التحذير من زوال النعمة ، كما نزل بآدم . هذا أن لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا ، والأمر بخلاف ذلك . الثانية - قوله تعالى : ( إنه يراكم هو وقبيله ) " قبيله " جنوده . قال مجاهد : يعني الجن والشياطين . ابن زيد : " قبيله " نسله . وقيل : جيله . من حيث لا ترونهم قال بعض العلماء : في هذا دليل على أن الجن لا يرون ، لقوله " من حيث لا ترونهم " قيل : جائز أن يروا ، لأن الله تعالى إذا أراد أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى . قال النحاس : " من حيث لا ترونهم " يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي ، ليكون ذلك دلالة على نبوته ، لأن الله جل وعز خلقهم خلقا لا يرون فيه ، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم . وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم . قال القشيري : أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم . وفي الخبر ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) . وقال تعالى : " الذي يوسوس في صدور الناس ( 1 ) " . وقال عليه السلام : ( إن للملك لمة وللشيطان لمة - أي بالقلب - فأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ) . وقد تقدم
--> ( 1 ) راجع ج 20 ص 263 .