القرطبي
171
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
زيد . فليس هذا عين الجواب ، بل هو كلام يرجع إلى معنى الجواب . ( خلقتني من نار وخلقته من طين ) فرأى أن النار أشرف من الطين ، لعلوها وصعودها وخفتها ، ولأنها جوهر مضئ . قال ابن عباس والحسن وابن سيرين : أول من قاس إبليس فأخطأ القياس . فمن قاس الدين برأيه قرنه مع إبليس . قال ابن سيرين : وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس . وقالت الحكماء : أخطأ عدو الله من حيث فضل النار على الطين ، وإن كانا في درجة واحدة من حيث هي جماد مخلوق . فإن الطين أفضل من النار من وجوه أربعة : أحدها - أن من جوهر الطين الرزانة والسكون ، والوقار والأناة ، والحلم ، والحياء ، والصبر . وذلك هو الداعي لآدم عليه السلام بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة والتواضع والتضرع ، فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية . ومن جوهر النار الخفة ، والطيش ، والحدة ، والارتفاع ، والاضطراب . وذلك هو الداعي لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى الاستكبار والإصرار ، فأورثه الهلاك والعذاب واللعنة والشقاء ، قال القفال . الثاني - إن الخبر ناطق بأن تراب الجنة مسك أذفر ، ولم ينطق الخبر بأن في الجنة نارا وأن في النار ترابا . الثالث - أن النار سبب العذاب ، وهي عذاب الله لأعدائه ، وليس التراب سببا للعذاب . الرابع - أن الطين مستغن عن النار ، والنار محتاجة إلى المكان ومكانها التراب . قلت - ومحتمل قولا خامسا وهو أن التراب مسجد وطهور ، كما جاء في صحيح الحديث . والنار تخويف وعذاب ، كما قال تعالى : " ذلك يخوف الله به عباده ( 1 ) " . وقال ابن عباس : كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس فعصى ربه ، وهو أول من قاس برأيه . والقياس في مخالفة النص مردود . الرابعة - واختلف الناس في القياس إلى قائل به ، وراد له ، فأما القائلون به فهم الصحابة والتابعون ، وجمهور من بعدهم ، وأن التعبد به جائز عقلا واقع شرعا ، وهو الصحيح .
--> ( 1 ) راجع ج 15 ص 243 .