القرطبي
169
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
ثم صورناكم حين أخذنا عليكم الميثاق . هذا قول مجاهد ، رواه عنه ابن جريج وابن أبي نجيح . قال النحاس : وهذا أحسن الأقوال . يذهب مجاهد إلى أنه خلقهم في ظهر آدم ، ثم صورهم حين أخذ عليهم الميثاق ، ثم كان السجود بعد . ويقوي هذا " وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ( 1 ) ذريتهم " . والحديث ( أنه أخرجهم أمثال الذر فأخذ عليهم الميثاق ) . وقيل : " ثم " للإخبار ، أي ولقد خلقناكم يعني في ظهر آدم صلى الله عليه وسلم ، ثم صورناكم أي في الأرحام . قال النحاس : هذا صحيح عن ابن عباس . قلت : كل هذه الأقوال محتمل ، والصحيح منها ما يعضده التنزيل ، قال الله تعالى : " ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ( 2 ) " يعني آدم . وقال : " وخلق منها زوجها ( 3 ) " . ثم قال : " جعلناه " أي جعلنا نسله وذريته " نطفة في قرار مكين " الآية ( 2 ) . فآدم خلق من طين ثم صور وأكرم بالسجود ، وذريته صوروا في أرحام الأمهات بعد أن خلقوا فيها وفي أصلاب الآباء . وقد تقدم في أول سورة الأنعام ( 4 ) أن كل إنسان مخلوق من نطفة وتربة ، فتأمله وقال هنا : " خلقناكم ثم صورناكم " وقال في آخر الحشر : " هو الله الخالق البارئ المصور ( 5 ) " . فذكر التصوير بعد البرء . وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى . وقيل : معنى " ولقد خلقناكم " أي خلقنا الأرواح أولا ثم صورنا الأشباح آخرا . قوله تعالى : ( إلا إبليس لم يكن من الساجدين ) استثناء من غير الجنس . وقيل : من الجنس . وقد اختلف العلماء : هل كان من الملائكة أم لا . كما سبق بيانه في البقرة ( 6 ) . قوله تعالى : قال ما منعك ألا تسجد إذا أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ( 12 )
--> ( 1 ) راجع ص 313 من هذا الجزء . ( 2 ) راجع ج 12 ص 108 . ( 3 ) راجع ج د ص 1 . ( 4 ) راجع ج 6 ص 388 . ( 5 ) راجع ج 18 ص 48 . ( 6 ) راجع ج 1 ص 29 .