القرطبي

14

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

المعنى : يا محمد إن أنساك الشيطان أن تقوم عنهم فجالستهم بعد النهى . ( فلا تقعد بعد الذكرى " أي إذا ذكرت فلا تقعد ( مع القوم الظالمين ) يعني المشركين . والذكرى اسم للتذكير . الثانية - قيل : هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته ، ذهبوا إلى تبرئته عليه السلام من النسيان . وقيل : هو خاص به ، والنسيان جائز عليه . قال ابن العربي : وإن عذرنا أصحابنا في ( قولهم ( 1 ) إن ) قول تعالى : " لئن أشركت ليحبطن عملك " ( 2 ) خطاب للأمة باسم النبي صلى الله عليه وسلم لاستحالة الشرك عليه ، فلا عذر لهم في هذا لجواز النسيان عليه . قال عليه السلام ، " نسي آدم فنسيت ذريته " خرجه الترمذي وصححه . وقال مخبرا عن نفسه : " إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني " . خرجه في الصحيح ، فأضاف النسيان إليه . وقال وقد سمع قراءة رجل : " لقد أذكرني أية كذا وكذا كنت أنسيتها " . واختلفوا بعد جواز النسيان عليه ، هل يكون فيما طريقه البلاغ من الأفعال وأحكام الشرع أم لا . ؟ فذهب إلى الأول - فيما ذكره القاضي عياض - عامة العلماء والأئمة النظار ، كما هو ظاهر القرآن والأحاديث ، لكن شرط الأئمة أن الله تعالى ينبهه على ذلك ولا يقره عليه . ثم اختلفوا هل من شرط التنبيه اتصال بالحادثة على الفور ، وهو مذهب القاضي أبي بكر والأكثر من العلماء ، أو يجوز في ذلك التراخي ما لم ينخر عمره وينقطع تبليغه ، وإليه نحا أبو المعالي . ومنعت طائفة من العلماء السهو عليه في الأفعال البلاغية والعبادات الشرعية ، كما منعوه اتفاقا في الأقوال البلاغية واعتذروا عن الظواهر الواردة في ذلك ، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق . وشذت الباطنية وطائفة من أرباب علم القلوب فقالوا : لا يجوز النسيان عليه ، وإنما ينسى قصدا ويتعمد صورة النسيان ليسن . ونحا إلى هذا عظيم من أئمة التحقيق وهو أبو المظفر الإسفرايني في كتابه ( الأوسط ) وهو منحى غير سديد ، وجمع الضد مع الضد مستحيل بعيد . قوله تعالى : وما على الذين يتقون من حسابهم من شئ ولكن ذكرى لعلهم يتقون ( 69 )

--> ( 1 ) الزيادة من ابن العربي . ( 2 ) راجع ج 15 ص 276 .