القرطبي
138
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
منها شيطان يدعو إليها ) ثم قرأ هذه الآية . وأخرجه ابن ماجة في سننه عن جابر بن عبد الله قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فخط خطا ، وخط خطين عن يمينه ، وخط خطين عن يساره ، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال : ( هذا سبيل الله - ثم تلا هذه الآية - " وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتعبوا السبل فتفرق بكم عن سبيله " . وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع ، وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام . هذه كلها عرضة للزلل ، ومظنة لسوء المعتقد ، قال ابن عطية . قلت : وهو الصحيح . ذكر الطبري في كتاب آداب النفوس : حدثنا محمد بن عبد الأعلى الصنعاني قال حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن أبان أن رجلا قال لابن مسعود : ما الصراط المستقيم ؟ قال : تركنا محمد صلى الله عليه وسلم في أدناه وطرفه في الجنة ، وعن يمينه جواد ( 1 ) وعن يساره جواد ، وثم رجال يدعون من مر بهم فمن أخذ في تلك الجواد انتهت به إلى النار ، ومن أخذ على الصراط انتهى به إلى الجنة ، ثم قرأ ابن مسعود : " وأن هذا صراطي مستقيما " الآية . وقال عبد الله بن مسعود : تعلموا العلم قبل أن يقبض ، وقبضه أن يذهب أهله ، ألا وإياكم والتنطع والتعمق والبدع ( 2 ) ، وعليكم بالعتيق ( 3 ) . أخرجه الدارمي . وقال مجاهد في قوله : " ولا تتبعوا السبل " قال : البدع . قال ابن شهاب : وهذا كقوله تعالى : " إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ( 4 ) " الآية . فالهرب الهرب ، والنجاة النجاة ! والتمسك بالطريق المستقيم والسنن القويم ، الذي سلكه السلف الصالح ، وفيه المتجر الرابح . روى الأئمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ما أمرتكم به فخذوه وما نهيتكم عنه فانتهوا ) . وروى ابن ماجة وغيره عن العرباض بن سارية قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت
--> ( 1 ) الجواد ( بتشديد الدال ) : الطرق ، واحدها جادة ، وهي سواء الطريق . وقيل : معظمه وقيل : وسطه . ( 2 ) عرف الراغب البدعة بقوله : البدعة في المذهب إيراد قوله لم يستن قائلها وفاعلها فيه بصاحب الشريعة وأماثلها المتقدمة وأصولها المتقنة . ( 3 ) العتيق : القديم الأول . ( 4 ) راجع ص 149 . من هذا الجزء .