القرطبي
135
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وقد جاء بيان حال اليتيم في سورة " النساء " مقيدة ، فقال : " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا ( 1 ) " فجمع بين قوة البدن وهو بلوغ النكاح ، وبين قوة المعرفة وهو إيناس الرشد ، فلو مكن اليتيم من ماله قبل حصول المعرفة وبعد حصول القوة لأذهبه في شهوته وبقي صعلوكا لا مال له . وخص اليتيم بهذا الشرط لغفلة الناس عنه وافتقاد الآباء لأبنائهم فكان الاهتبال ( 2 ) بفقيد الأب أولى . وليس بلوغ الأشد مما يبيح قرب ماله بغير الأحسن ، لأن الحرمة في حق البالغ ثابتة . وخص اليتيم بالذكر لأن خصمه الله . والمعنى : ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن على الأبد حتى يبلغ أشده . وفي الكلام حذف ، فإذا بلغ أشده وأونس منه الرشد فادفعوا إليه ماله . واختلف العلماء في أشد اليتيم ، فقال ابن زيد : بلوغه . وقال أهل المدينة . بلوغه وإيناس رشده . وعند أبي حنيفة : خمس وعشرون سنة . قال ابن العربي : وعجبا من أبي حنيفة ، فإنه يرى أن المقدرات لا تثبت قياسا ولا نظرا وإنما تثبت نقلا ، وهو يثبتها بالأحاديث الضعيفة ، ولكنه سكن دار الضرب فكثر عنده المدلس ، ولو سكن المعدن كما قيض الله لمالك لما صدر عنه إلا إبريز الدين ( 3 ) . وقد قيل : إن انتهاء الكهولة فيها مجتمع الأشد ، كما قال سحيم بن وثيل : أخو خمسين مجتمع أشدي * ونجذني مداورة الشؤون ( 4 ) يروى " نجدني " بالدال والذال . والأشد واحد لا جمع له ، بمنزلة الآنك وهو الرصاص . وقد قيل : واحده شد ، كفلس وأفلس . وأصله من شد النهار أي ارتفع ، يقال : أتيته شد النهار ومد النهار . وكان محمد بن الضبي ينشد بيت عنترة : عهدي به النهار كأنما * خضب اللبان ورأسه بالعظلم ( 5 )
--> ( 1 ) راجع ج 5 ص 33 . ( 2 ) الاهتبال : اغتنام الفرضة وابتغاءها وتكسبها : أي الاشتغال بشأن اليتيم أولى . ( 3 ) في ك : المذهب وفى ز : الذهب . يريد بدار الضرب : بغداد . والمعدن . : معدن الشريعة ومنجمها المدينة المنورة . ( 4 ) رجل منجد ( بالدال والذال ) : جرب الأمور وعرفها وأحكمها . ومداورة الشؤون : مداولة الأمور ومعالجتها . ( 5 ) اللبان ( بفتح اللام ) : الصدر . وفي ع : " البنان " وهي رواية . والعظلم ( بكسر العين واللام وسكون الظاء ) : صبغ أحمر وقيل : هو الوسمة د ، شجر له ورق يختضب به .