القرطبي

129

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وكلامه فغيب لا يطلع عليه العبد ، إلا من ارتضى من رسول . ويكفي في التكليف أن يكون العبد بحيث لو أراد أن يفعل ما أمر به لأمكنه . وقد لبست المعتزلة بقول : " لو شاء الله ما أشركنا " فقالوا : قد ذم الله هؤلاء الذين جعلوا شركهم عن مشيئته . وتعلقهم بذلك باطل ، لأن الله تعالى إنما ذمهم على ترك اجتهادهم في طلب الحق . وإنما قالوا ذلك على جهة الهزء واللعب . نظيره " وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ( 1 ) " . ولو قالوه على جهة التعظيم والإجلال والمعرفة به لما عابهم ، لأن الله تعالى يقول : " لو شاء الله ما أشركوا ( 2 ) " . و " ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ( 2 ) " . " ولو شاء لهداكم أجمعين ( 3 ) " . ومثله كثير . فالمؤمنون يقولونه لعلم منهم بالله تعالى . قوله تعالى : قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا فإن شهدوا فلا تشهد معهم ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ( 150 ) قوله تعالى : ( قل هلم شهداءكم ) أي قل لهؤلاء المشركين أحضروا شهداءكم على أن الله حرم ما حرمتم . و " هلم " كلمة دعوة إلى شئ ، ويستوي فيه الواحد والجماعة والذكر والأنثى عند أهل الحجاز ، إلا في لغة نجد فإنهم يقولون : هلما هلموا هلمي ، يأتون بالعلامة كما تكون في سائر الأفعال . وعلى لغة ( أهل ( 4 ) ) الحجاز جاء القرآن ، قال الله تعالى : " والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ( 5 ) " يقول : هلم أي أحضر أو ادن . وهلم الطعام ، أي هات الطعام . والمعنى ها هنا : هاتوا شهداءكم ، وفتحت الميم لالتقاء الساكنين ، كما تقول : رد يا هذا ، ولا يجوز ضمها ولا كسرها . والأصل عند الخليل " ها " ضمت إليها " لم " ثم حذفت الألف لكثرة الاستعمال . وقال غيره . الأصل " هل " زيدت عليها " لم " . وقيل : هي على لفظها تدل على معنى هات . وفي كتاب العين للخليل : أصلها هل أؤم ، أي هل أقصدك ، ثم كثر استعمالهم

--> ( 1 ) راجع ج 16 ص 73 . ( 2 ) راجع ص 60 و 66 . من هذا الجزء . ( 3 ) راجع ج 10 ص 81 . ( 4 ) من ك . ( 5 ) راجع ج 14 ص 151 .