القرطبي
99
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
الثالثة - قوله تعالى : ( والزيتون والرمان ) عطف عليه ( متشابها وغير متشابه ) نصب على الحال ، وفي هذه أدلة ثلاثة ، أحدها ما تقدم من قيام الدليل على أن المتغيرات لا بدلها من مغير . الثاني على المنة منه سبحانه علينا ، فلو شاء إذ خلقنا ألا يخلق لنا غذاء ، إذ خلقه ألا يكون جميل المنظر طيب الطعم ، وإذ خلقه كذلك ألا يكون سهل الجني ، فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء ، لأنه لا يجب عليه شئ . الثالث على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرسوب يصعد بقدرة الله الواحد علام الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها ، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراق ليست من جنسها ، وثمر خارج من صفته الجرم الوافر ، واللون الزاهر ، والجنى الجديد ، والطعم اللذيذ ، فأين الطبائع وأجناسها ، وأين الفلاسفة وأناسها ، هل في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان ، أو ترتب هذا الترتيب العجيب ! كلا ! لا يتم ذلك في العقول إلا لحي عالم قدير مريد . فسبحان من له في كل شئ آية ونهاية ! ووجه اتصال هذا بما قبله أن الكفار لما افتروا على الله الكذب وأشركوا معه وحللوا وحرموا دلهم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء ، وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقا لهم . الرابعة - قوله تعالى : ( كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ) فهذان بناء ان جاءا بصيغة أفعل ، أحدهما مباح كقول : " فانتشروا في الأرض ( 1 ) " والثاني واجب . وليس يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب ، وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق ليبين أن الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف . الخامسة - قوله تعالى : ( وآتوا حقه يوم حصاده ) اختلف الناس في تفسير هذا الحق ، ما هو ، فقال أنس بن مالك وابن عباس وطاوس والحسن وابن زيد وابن الحنفية والضحاك وسعيد بن المسيب : هي الزكاة المفروضة ، العشر ونصف العشر . ورواه ابن وهب وابن القاسم عن مالك في تفسير الآية ، وبه قال بعض أصحاب الشافعي . وحكى الزجاج أن هذه الآية قيل فيها إنها نزلت بالمدينة . وقال علي بن الحسين وعطاء والحكم وحماد وسعيد بن جبير ومجاهد : هو حق في المال سوى ( 2 ) الزكاة ، الله به ندبا . وروى عن
--> ( 1 ) راجع ج 18 ص 108 . ( 2 ) وذلك قوله تعالى : وفي أموالهم حق للسائل والمحروم فإنها مكية .