القرطبي

92

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

قلت : قد روي عن ابن عباس أنه قال : الوضوء غسلتان ومسحتان . وروي أن الحجاج خطب بالأهواز فذكر الوضوء فقال : اغسلوا وجوهكم وأيديكم وامسحوا برءوسكم وأرجلكم ، فإنه ليس شئ من ابن آدم أقرب من خبثه من قدميه ، فاغسلوا بطونهما وظهورهما وعراقيبهما . فسمع ذلك أنس بن مالك فقال : صدق الله وكذب الحجاج ، قال الله وتعالى " وامسحوا برءوسكم وأرجلكم " . قال : وكان إذا مسح رجليه بلهما ، وروي عن أنس أيضا أنه قال : نزل القرآن بالمسح والسنة بالغسل . وكان عكرمة يمسح رجليه وقال : ليس في الرجلين غسل إنما نزل فيهما المسح . وقال عامر الشعبي : نزل جبريل بالمسح ، ألا ترى أن التيمم يمسح فيه ما كان غسلا ، ويلغي ما كان مسحا . وقال قتادة : افترض الله غسلتين ومسحتين . وذهب ابن جرير الطبري إلى أن فرضهما التخيير بين الغسل والمسح ، وجعل القراءتين كالروايتين ( 1 ) ، قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيه ، أن المسح والغسل واجبان جميعا ، فالمسح واجب على قراءة من قرأ بالخفض ، والغسل واجب على قراءة من قرأ بالنصب ، والقراءتان بمنزلة آيتين . قال ابن عطية : وذهب قوم ممن يقرأ بالكسر إلى أن المسح في الرجلين هو الغسل . قلت : وهو الصحيح ، فإن لفظ المسح مشترك ، يطلق بمعنى المسح ويطلق بمعنى الغسل ، قال الهروي : أخبرنا الأزهري أخبرنا أبو بكر محمد بن عثمان بن سعيد الداري عن أبي حاتم عن أبي زيد الأنصاري قال : المسح في كلام العرب يكون غسلا ويكون مسحا ، ومنه يقال : [ للرجل ] ( 2 ) إذا توضأ فغسل أعضاءه : قد تمسح ، ويقال : مسح الله ما بك إذا غسلك وطهرك من الذنوب ، فإذا ثبت بالنقل عن العرب أن المسح يكون بمعنى الغسل فترجح قول من قال : إن المراد بقراءة الخفض الغسل ، بقراءة النصب التي لا احتمال فيها ، وبكثرة الأحاديث الثابتة بالغسل ، والتوعد على ترك غسلها في أخبار صحاح لا تحصى كثرة أخرجها الأئمة ، ثم إن المسح في الرأس إنما دخل بين ما يغسل لبيان الترتيب على [ أنه ] ( 3 ) مفعول قبل الرجلين ، التقدير فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برءوسكم ، فلما كان الرأس مفعولا قبل

--> ( 1 ) كالروايتين في الخبر ، يعمل بهما إذا لم يتناقضا . ابن العربي . ( 2 ) من ك وج . ( 3 ) من ج وز وك .