القرطبي

88

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

في قوله : " فامسحوا بوجوهكم " فلو كان معناها التبعيض لأفادته في ذلك الموضع ، وهذا قاطع . وقيل : إنما دخلت لتفيد معنى بديعا وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به ، والمسح لغة لا يقتضي ممسوحا به ، فلو قال : وامسحوا رءوسكم لأجزأ المسح باليد إمرارا من غير شئ على الرأس ، فدخلت الباء لتفيد ممسوحا به وهو الماء ، فكأنه قال : وامسحوا برءوسكم الماء ، وذلك فصيح في اللغة على وجهين ، إما على القلب كما أنشد سيبويه : كنواح ريش حمامة بخدية * ومسحت باللثتين عصف الإثمد واللثة هي الممسوحة بعصف الإثمد فقلب ، وإما على الاشتراك في الفعل والتساوي في نسبته كقول الشاعر : ( 2 ) مثل القنافذ هداجون قد بلغت * نجران أو بلغت سوأتهم هجر فهذا ما لعلمائنا في معنى الباء . وقال الشافعي : احتمل قول الله تعالى : " وامسحوا برءوسكم " بعض الرأس ومسح جميعه فدلت السنة أن مسح بعضه يجزئ ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته ، وقال في موضع آخر : فإن قيل قد قال الله عز وجل : " فامسحوا بوجوهكم " في التيمم أيجزئ بعض الوجه فيه ؟ قيل له : مسح الوجه في التيمم بدل من غسله ، فلا بد أن يأتي بالمسح على جميع موضع الغسل منه ، ومسح الرأس أصل ، فهذا فرق ما بينهما . أجاب علماؤنا عن الحديث بأن قالوا : لعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك لعذر لا سيما وكان هذا الفعل منه صلى الله عليه وسلم في السفر وهو مظنة الاعذار ، وموضع الاستعجال والاختصار ، وحذف كثير من الفرائض لأجل المشقات والاخطار ، ثم هو لم يكتف بالناصية حتى مسح على العمامة ، أخرجه مسلم من حديث المغيرة بن شعبة ، فلو لم يكن مسح جميع الرأس واجبا لما مسح على العمامة ، والله أعلم .

--> ( 1 ) البيت لخفاف بن ندبة السلمي ، وصف فيه شفتي المرأة ، فشبههما بنواحي ريش الحمامة في الرقة واللطافة . الاستدارة ، وأراد لثاتها تضرب إلى السمرة كأنها مسحت بالإثمد وعصف الإثمد ما سحق منه . ( 2 ) البيت للأخطل يهجو جريرا ، والقنافذ جمع قنفذ وهو حيوان معروف يضرب به المثل في سرى الليل . والهداج المرتعش في مشيه والمعنى : أن رهط جرير كالقنافذ لمشيهم في الليل للسرقة والفجور .