القرطبي

86

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

يجوز أن تتقدم فيها النية على التكبير ، ويا لله ويا للعالمين من أمة أرادت أن تكون مفتية مجتهدة فما وفقها الله ولا سددها ! ، اعلموا رحمكم الله أن النية في الوضوء مختلف في وجوبها بين العلماء ، وقد اختلف فيها قول مالك ، فلما نزلت عن مرتبة الاتفاق سومح في تقديمها في بعض المواضع ، فأما الصلاة فلم يختلف أحد من الأئمة فيها ، وهي أصل مقصود ، فكيف يحمل الأصل المقصود المتفق عليه على الفرع التابع المختلف فيه ! هل هذا إلا غاية الغباوة ؟ وأما الصوم فإن الشرع رفع الحرج فيه لما كان ابتداؤه في وقت الغفلة بتقديم النية عليه . السادسة - قوله تعالى : " وأيديكم إلى المرافق " واختلف الناس في دخول المرافق في التحديد ، فقال قوم : نعم ، لان ما بعد " إلى " إذا كان من نوع ما قبلها دخل فيه ، قاله سيبويه وغيره ، وقد مضى هذا في " البقرة " ( 1 ) مبينا . وقيل : لا يدخل المرفقان في الغسل ، والروايتان مرويتان عن مالك ، الثانية لأشهب ، والأولى عليها أكثر العلماء وهو الصحيح ، لما رواه الدارقطني عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه . وقد قال بعضهم : إن " إلى " بمعنى مع ، كقولهم : الذود إلى الذود إبل ( 2 ) ، أي مع الذود ، وهذا لا يحتاج إليه كما بيناه في " النساء " ( 3 ) ، ولأن اليد عند العرب تقع على أطراف الأصابع إلى الكتف ، وكذلك الرجل تقع على الأصابع إلى أصل الفخذ ، فالمرفق داخل تحت اسم اليد ، فلو كان المعنى مع المرافق لم يفد ، فلما قال : " إلى " اقتطع من حد المرافق عن الغسل ، وبقيت المرافق مغسولة إلى الظفر ، وهذا كلام صحيح يجري على الأصول لغة ومعنى ، قال ابن العربي : وما فهم أحد مقطع المسألة إلا القاضي أبو محمد فإنه قال : إن قوله " إلى المرافق " حد للمتروك من اليدين لا للمغسول فيه ، ولذلك تدخل المرافق في الغسل . قلت : وما كان اليد والرجل تنطلق في اللغة على ما ذكرنا كان أبو هريرة يبلغ بالوضوء إبطه وساقه ويقول : سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول : ( تبلغ الحلية من المؤمن

--> ( 1 ) راجع ج 2 ص 327 . ( 2 ) هذا مثل معناه : القليل يضم إلى القليل فيصير كثيرا . والذود القطيع من الإبل الثلاث إلى التسع : وقيل : ما بين الثلاث إلى العشر ، وقيل : من ثلاث إلى خمس عشرة ، وقيل غير ذلك . ( 3 ) راجع ج 5 ص 10 .