القرطبي

72

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

وإنما لم يؤكل مخافة أن يكون قد أعان على قتله غير السهم من الهوام . الثالث : الفرق بين السهم فيؤكل وبين الكلب فلا يؤكل ، ووجهه أن السهم يقتل على جهة واحدة فلا يشكل ، والجارح على جهات متعددة فيشكل ، والثلاثة الأقوال لعلمائنا . وقال مالك في غير الموطأ : إذا بات الصيد ثم أصابه ميتا لم ينفذ البازي أو الكلب أو السهم مقاتله لم يأكله ، قال أبو عمر : فهذا يدلك على أنه إذا بلغ مقاتله كان حلالا عنده أكله وإن بات ، إلا أنه يكرهه إذا بات ، لما جاء عن ابن عباس : " وإن غاب عنك ليلة فلا تأكل " ونحوه عن الثوري قال : إذا غاب عنك يوما كرهت أكله . وقال الشافعي : القياس ألا يأكله إذا غاب عنه مصرعه . وقال الأوزاعي : إن وجده من الغد ميتا ووجد فيه سهمه أو أثرا من كلبه فليأكله ، ونحوه قال أشهب وعبد الملك وأصبغ ، قالوا : جائز أكل الصيد وإن بات إذا نفذت مقاتله ، وقوله في الحديث : ( ما لم ينتن ) تعليل ، لأنه إذا أنتن لحق بالمستقذرات التي تمجها الطباع فيكره أكلها ، فلو أكلها لجاز ، كما أكل النبي صلى الله عليه وسلم الإهالة ( 1 ) السنخة وهي المنتنة . وقيل : هو معلل بما يخاف منه الضرر على آكله ، وعلى هذا التعليل يكون أكله محرما إن كان الخوف محققا ، والله أعلم . الرابعة عشرة - واختلف العلماء من هذا الباب في الصيد بكلب اليهودي والنصراني إذا كان معلما ، فكرهه الحسن البصري ، وأما كلب المجوسي وبازه وصقره فكره الصيد بها جابر ابن عبد الله والحسن وعطاء ومجاهد والنخعي والثوري وإسحق ، وأجاز الصيد بكلابهم مالك والشافعي وأبو حنيفة إذا كان الصائد مسلما ، قالوا : وذلك مثل شفرته . وأما إن كان الصائد من أهل الكتاب فجمهور الأمة على جواز صيده غير مالك ، وفرق بين ذلك وبين ذبيحته ، وتلا : " يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم " ( 2 ) [ المائدة : 94 ] ، قال : فلم يذكر الله في هذا اليهود ولا النصارى . وقال ابن وهب وأشهب : صيد اليهودي والنصراني حلال كذبيحته ، وفي كتاب محمد لا يجوز صيد الصابئ ولا ذبحه ، وهم قوم بين اليهود والنصارى

--> ( 1 ) روى أن خياطا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى طعام فقدم إليه إهالة سنخة وخبز شعير . الإهالة : الدسم ما كان ، والسنخة المتغيرة الريح . ( 2 ) راجع ص 299 من هذا الجزء .