القرطبي

69

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثامنة - قوله تعالى : ( تعلمونهن مما علمكم الله ) أنث الضمير مراعاة للفظ الجوارح ، إذ هو جمع جارحة . ولا خلاف بين العلماء في شرطين في التعليم وهما : أن يأتمر إذا أمر ( 1 ) وينزجر إذا زجر ، لا خلاف في هذين الشرطين في الكلاب وما في معناها من سباع الوحوش . واختلف فيما يصاد به من الطير ، فالمشهور أن ذلك مشترط فيها عند الجمهور . وذكر ابن حبيب أنه لا يشترط فيها أن تنزجر إذا زجرت ، فإنه لا يتأتى ذلك فيها غالبا ، فيكفي أنها إذا أمرت أطاعت . وقال ربيعة : ما أجاب منها إذا دعي فهو المعلم الضاري ، لان أكثر الحيوان بطبعه ينشلي ( 2 ) . وقد شرط الشافعي وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسك على صاحبه ، ولم يشترطه مالك في المشهور عنه . وقال الشافعي : المعلم هو الذي إذا أشلاه صاحبه انشلى ، وإذا دعاه إلى الرجوع رجع إليه ، ويمسك الصيد على صاحبه ولا يأكل منه ، فإذا فعل هذا مرارا وقال أهل العرف : صار معلما فهو المعلم . وعن الشافعي أيضا والكوفيين : إذا أشلي فانشلى وإذا أخذ حبس وفعل ذلك مرة بعد مرة أكل صيده في الثالثة . ومن العلماء من قال : يفعل ذلك ثلاث مرات ويؤكل صيده في الرابعة . ومنهم من قال : إذا فعل [ ذلك ] ( 3 ) مرة فهو معلم ويؤكل صيده في الثانية . التاسعة - قوله تعالى : ( فكلوا مما أمسكن عليكم ) أي حبسن لكم . واختلف العلماء في تأويله ، فقال ابن عباس وأبو هريرة والنخعي وقتادة وابن جبير وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والشافعي وأحمد وإسحق وأبو ثور والنعمان وأصحابه : المعنى ولم يأكل ، فإن أكل لم يؤكل ما بقي ، لأنه أمسك على نفسه ولم يمسك على ربه . والفهد عند أبي حنيفة وأصحابه كالكلب ولم يشترطوا ذلك في الطيور بل يؤكل ما أكلت منه . وقال سعد بن أبي وقاص وعبد الله ابن عمر وسلمان الفارسي وأبو هريرة أيضا : المعنى وإن أكل ، فإذا أكل الجارح كلبا كان أو فهدا أو طيرا أكل ما بقي من الصيد وإن لم يبق إلا بضعة ، وهذا قول مالك وجميع أصحابه ، وهو القول الثاني للشافعي ، وهو القياس . وفي الباب حديثان بمعنى ما ذكرنا أحدهما : حديث عدي في الكلب المعلم ( وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه ) أخرجه مسلم . الثاني -

--> ( 1 ) في ك : إذا أرسل . ( 2 ) يغرى . ( 3 ) من ج وك .