القرطبي
67
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
القولين محتمل . وليس في " مكلبين " دليل على أنه إنما أبيح صيد الكلاب خاصة ، لأنه بمنزلة قوله : " مؤمنين " وإن كان قد تمسك به من قصر الإباحة على الكلاب خاصة . روي عن ابن عمر فيما حكى ابن المنذر عنه قال : وأما ما يصاد به من البزاة وغيرها من الطير فما أدركت ذكاته فذكه فهو لك حلال ، وإلا فلا تطعمه . قال ابن المنذر : وسئل أبو جعفر عن البازي يحل صيده قال : لا ، إلا أن تدرك ذكاته . وقال الضحاك والسدي : " وما علمتم من الجوارح مكلبين " هي الكلاب خاصة ، فإن كان الكلب أسود بهيما فكره صيده الحسن وقتادة والنخعي . وقال أحمد : ما أعرف أحدا يرخص فيه إذا كان بهيما ، وبه قال إسحاق بن راهويه ، فأما عوام أهل العلم بالمدينة والكوفة فيرون جواز صيد كل كلب معلم ، أما من منع صيد الكلب الأسود فلقوله صلى الله عليه وسلم : ( الكلب الأسود شيطان ) ، أخرجه مسلم . احتج الجمهور بعموم الآية ، واحتجوا أيضا في جواز صيد البازي بما ذكر من سبب النزول ، وبما خرجه الترمذي عن عدي بن حاتم قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البازي فقال : ( ما أمسك عليك فكل ) . في إسناده مجالد ولا يعرف إلا من جهته وهو ضعيف . وبالمعنى وهو أن كل ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلا فلا فارق إلا فيما لا مدخل له في التأثير ، وهذا هو القياس في معنى الأصل ، كقياس السيف على المدية والأمة على العبد ، وقد تقدم . السادسة - وإذا تقرر هذا فأعلم أنه لا بد للصائد أن يقصد عند الارسال التذكية والإباحة ، وهذا لا يختلف فيه ، لقوله عليه السلام : ( إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله عليه فكل ) وهذا يقتضي النية والتسمية ، فلو قصد مع ذلك اللهو فكرهه مالك وأجازه ابن عبد الحكم ، وهو ظاهر قول الليث : ما رأيت حقا أشبه بباطل منه ، يعني الصيد ، فأما لو فعله بغير نية التذكية فهو حرام ، لأنه من باب الفساد وإتلاف حيوان لغير منفعة ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الحيوان إلا لمأكلة . وقد ذهب الجمهور من العلماء إلى أن التسمية لا بد منها بالقول عند الارسال ، لقوله : ( وذكرت اسم الله ) فلو لم توجد على أي وجه كان لم يؤكل الصيد ، وهو مذهب أهل الظاهر وجماعة أهل الحديث . وذهبت جماعة