القرطبي
60
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
تنشرح له النفس وتستبشر بقضاء الحاجة وبلوغ الامل ، فيحسن الظن بالله عز وجل ، وقد قال : ( أنا عند ظن عبدي بي ) . وكان عليه السلام يكره الطيرة ، لأنها من أعمال أهل الشرك ، ولأنها تجلب ظن السوء بالله عز وجل . قال الخطابي : الفرق بين الفأل والطيرة أن الفأل إنما هو من طريق حسن الظن بالله ، والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على شئ سواه . وقال الأصمعي : سألت ابن عون عن الفأل فقال : هو أن يكون مريضا فيسمع يا سالم ، أو يكون باغيا ( 1 ) فيسمع يا واجد ، وهذا معنى حديث الترمذي ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( لا طيرة وخيرها الفأل ) ، قيل : يا رسول الله وما الفأل ؟ قال : ( الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم ) . وسيأتي لمعنى الطيرة مزيد بيان إن شاء الله تعالى . روى عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال : إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ، ومن يتحر الخير يعطه ، ومن يتوق الشر يوقه ، وثلاثة لا ينالون الدرجات العلا ، من تكهن أو استقسم أو رجع من سفر من طيرة . الموفية عشرين - قوله تعالى : ( ذلك فسق ) إشارة إلى الاستقسام بالأزلام . والفسق الخروج ، وقد تقدم ( 2 ) . وقيل يرجع إلى جميع ما ذكر من الاستحلال لجميع هذه المحرمات ، وكل شئ منها فسق وخروج من الحلال إلى الحرام ، والانكفاف عن هذه المحرمات من الوفاء بالعقود ، إذ قال : " أوفوا بالعقود " [ المائدة : 1 ] . الحادية والعشرون - قوله تعالى : ( اليوم يئس الذين كفروا من دينكم ) يعني أن ترجعوا إلى دينهم كفارا . قال الضحاك : نزلت هذه الآية حين فتح مكة ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع ، ويقال : سنة ثمان ، ودخلها ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم " ألا من قال لا إله إلا الله فهو آمن ، ومن وضع السلاح فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن " . وفي " يئس " لغتان ، يئس ييئس يأسا ، وأيس يأيس
--> ( 1 ) الباغي : الذي يطلب الشئ الضال . ( 2 ) راجع ج 1 ص 244 وما بعدها .