القرطبي

58

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

الثامنة عشرة - قوله تعالى : ( وأن تستقسموا بالأزلام ) معطوف على ما قبله ، و " أن " في محل رفع ، أي وحرم عليكم الاستقسام . والأزلام قداح الميسر ، واحدها زلم وزلم ، قال : * بات يقاسيها غلام كالزلم ( 1 ) * وقال آخر ، فجمع : فلئن جذيمة قتلت سرواتها * فنساؤها يضربن بالأزلام وذكر محمد بن جرير : أن ابن وكيع حدثهم عن أبيه عن شريك عن أبي حصين عن سعيد بن جبير أن الأزلام حصى بيض كانوا يضربون بها . قال محمد بن جرير : قال لنا سفيان بن وكيع : هي الشطرنج . فأما قول لبيد : * تزل عن الثرى أزلامها ( 2 ) * فقالوا : أراد أظلاف البقرة الوحشية . والأزلام العرب ثلاثة أنواع : منها الثلاثة التي كان يتخذها كل إنسان لنفسه ، على أحدها أفعل ، وعلى الثاني لا تفعل ، والثالث مهمل لا شئ عليه ، فيجعلها في خريطة معه ، فإذا أراد فعل شئ أدخل يده - وهي متشابهة - فإذا خرج أحدها ائتمر وانتهى بحسب ما يخرج له ، وإن خرج القدح الذي لا شئ عليه أعاد الضرب ، وهذه هي التي ضرب بها سراقة بن مالك بن جعشم حين أتبع النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وقت الهجرة ، وإنما قيل لهذا الفعل : استقسام لأنهم كانوا يستقسمون به الرزق وما يريدون ، كما يقال : الاستسقاء في الاستدعاء للسقي . ونظير هذا الذي حرمه الله تعالى قول المنجم : لا تخرج من أجل نجم كذا ، وأخرج من أجل نجم كذا . وقال جل وعز : " وما تدري نفس ماذا تكسب غدا " ( 3 ) الآية [ لقمان : 34 ] . وسيأتي بيان هذا مستوفى إن شاء الله . والنوع الثاني - سبعة قداح كانت عند هبل في جوف الكعبة مكتوب عليها ما يدور بين الناس من النوازل ، كل قدح منها فيه كتاب ، قدح فيه العقل من أم الديات ، وفي آخر " منكم " وفي آخر " من غيركم " ، وفي آخر " ملصق " ( 4 ) ، وفي سائرها أحكام المياه وغير ذلك ،

--> ( 1 ) تقدم الكلام عليه في غير موضع ، راجع قداح الميسر في ج 3 ص 58 . ( 2 ) البيت بتمامه : حتى إذا حسر الظلام وأسفرت * بكرت تزل عن الثرى ( أزلامها ) ( 3 ) راجع ج 14 ص 82 . ( 4 ) كان العرب إذا شكوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هبل وبمائة درهم وجزور ، فأعطوها صاحب القداح الذي يضرب بها ، ثم قربوا صاحبهم الذي يريدون به ما يريدون ، ثم قالوا : يا إلهنا هذا فلان بن فلان قد أردنا به كذا وكذا فأخرج الحق فيه ، ثم يقولون لصاحب القداح : اضرب ، فإن خرج عليه ( منكم ) كان منهم وسيطا ، وإن خرج ( من غيركم ) كان حليفا ، وإن خرج ( ملصق ) كان على منزلته فيهم لا نسب له ولا حلف . ( سيرة ابن هشام ) .